روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
 

مراجع في المصطلح واللغة

مراجع في المصطلح واللغة

كتاب الكبائر_لمحمد بن عثمان الذهبي/تابع الكبائر من... /حياة ابن تيمية العلمية أ. د. عبدالله بن مبارك آل... /التهاب الكلية الخلالي /الالتهاب السحائي عند الكبار والأطفال /صحيح السيرة النبوية{{ما صحّ من سيرة رسول الله صلى ... /كتاب : عيون الأخبار ابن قتيبة الدينوري أقسام ا... /كتاب :البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء ا... /أنواع العدوى المنقولة جنسياً ومنها الإيدز والعدوى ... /الالتهاب الرئوي الحاد /اعراض التسمم بالمعادن الرصاص والزرنيخ /المجلد الثالث 3. والرابع 4. [ القاموس المحيط - : م... /المجلد 11 و12.لسان العرب لمحمد بن مكرم بن منظور ال... /موسوعة المعاجم والقواميس - الإصدار الثاني / مجلد{1 و 2}كتاب: الفائق في غريب الحديث والأثر لأبي... /مجلد واحد كتاب: اللطائف في اللغة = معجم أسماء الأش... /مجلد {1 و 2 } كتاب: المحيط في اللغة لإسماعيل بن ... /سيرة الشيخ الألباني رحمه الله وغفر له /اللوكيميا النخاعية الحادة Acute Myeloid Leukemia.... /قائمة /مختصرات الأمراض والاضطرابات / اللقاحات وما تمنعه من أمراض /البواسير ( Hemorrhoids) /علاج الربو بالفصد /دراسة مفصلة لموسوعة أطراف الحديث النبوي للشيخ سع... / مصحف الشمرلي كله /حمل ما تريد من كتب /مكتبة التاريخ و مكتبة الحديث /مكتبة علوم القران و الادب /علاج سرطان البروستات بالاستماتة. /جهاز المناعة و الكيموكين CCL5 .. /السيتوكين" التي يجعل الجسم يهاجم نفسه /المنطقة المشفرة و{قائمة معلمات Y-STR} واختلال الص... /مشروع جينوم الشمبانزي /كتاب 1.: تاج العروس من جواهر القاموس محمّد بن محمّ... /كتاب :2. تاج العروس من جواهر القاموس /كتاب تاج العروس من جواهر القاموس /كتاب : تاج العروس من جواهر القاموس

Translate كيكي520...

Translate

الاثنين، 16 مايو 2022

مجلد 1 تهذيب الكمال للمزي

 

1.: مجلد 1. تهذيب الكمال مع حواشيه
المؤلف : يوسف بن الزكي عبدالرحمن أبو الحجاج المزي [654 - 742]
تهذيب الكمال في أسماء الرجال
للحافظ المتقن جمال الدين أبى الحجاج يوسف المزي
654 - 742 هجرية

المجلد الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
قالوا في الإمام المزي
1- ووجدت بدمشق من أهل العلم الإمام المقدم والحافظ الذي فاق من تأخر من أقرانه ومن تقدم أبا الحجاج المزي ، بحر العلم الزاخر ، وحبره القائل من رآه : كم ترك الاوائل للاواخر.
ابن سيد الناس اليعمري ت (734)
2- كان خاتمة الحفاظ ، وناقد الأسانيد والألفاظ ، وهو صاحب معضلاتنا ، وموضح مشكلاتنا ، ما رأيت أحدا في هذا الشأن أحفظ من الإمام أبي الحجاج المزي.
الذهبي ت (748)
3- ولم أر في أشياخي بعد شيخنا أثير الدين في العربية مثله.
الصلاح الصفدي ت (764)
4- هو إمام المحدثين ، والله لو عاش الدارقطني ، لاستحيى أن يدرس مكانه.
تقي الدين السبكي ت (756)
5- شيخنا وأستاذنا وقدوتنا الشيخ جمال الدين أبو الحجاج المزي ، حافظ زماننا ، حامل راية السنة والجماعة ، والقائم بأعباء هذه الصناعة ، والمتدرع جلباب الطاعة ، إمام الحفاظ كلمة لا يجحدونها ، وشهادة على أنفسهم يؤدونها ، ورتبة لو نشر أكابر الأعداء ، لكانوا يودونها ، واحد عصره بالإجماع ، وشيخ زمانه الذي تصغي لما يقول الأسماع.
التاج ، السبكي ت (771)

(1/5)


قالوا في التهذيب
1- وصنف كتاب"تهذيب الكمال"في أربعة عشر مجلدا ، كسف به الكتب المتقدمة في هذا الشأن ، وسارت به الركبان ، واشتهر في حياته.
الصلاح الصفدي
2- وصنف"تهذيب الكمال"المجمع على أنه لم يصنف مثله.
التاج السبكي.
3- كتاب عظيم الفوائد ، جم الفرائد ، لم يصنف في نوعه مثله ، لأن مؤلفه أبدع فيما وضع ، ونهج للناس منهجا لم يشرع.
علاء الدين مغلطاي ت (763)
4- أتى فيه بكل نفيسة ، وبالغ ولم يأل في استيفاء شيوخ الشخص ورواته ، وغرائبه وموافقاته ، وعدالته وجرحاته ، ومناقبه وهناته ، وعمره ووفاته ، فبقي حسرة على من لم يحصله من الفضلاء ، ولهفة على من أعوزه الامكان.
الإمام الذهبي

(1/6)


بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المحقق
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ؛
فهذه دراسة تناولت فيها سيرة المزي ، وكتابه"تهذيب الكمال" ، وجعلتها في أربعة فصول :
خصصت الفصل الاول لحياة المزي ومكانته العلمية.
والفصل الثاني لمنهج كتابه تهذيب الكمال ومنزلته بين الكتب التي من بابته ، وبيان تفضيله على جميع الكتب السابقة واللاحقة في فنه.
والفصل الثالث لعناية العلماء بهذا الكتاب النفيس استدراكا واختصارا.
والفصل الرابع وصفت فيه المنهج الذي اتبعته في تحقيق هذا الكتاب.
ثم ختمت الدراسة بوصف النسخ المعتمدة ، وطباق السماعات التي عليها

(1/7)


الفصل الاول
حياة المزي ومكانته العلمية
مصادر ترجمته :
تناول المزي جملة كبيرة من المؤرخين ، فترجموا له تراجم تختلف في طولها وقصرها ونوعية المعلومات التي تقدمها ونجد بينهم رفاقا له في طلب العلم ، وتلامذة ، وتلامذة لتلامذته وهلم جرا إلى عصور متأخرة.
وقد ترجم له من معاصريه : ابن سيد الناس اليعمري (ت 734) (1) ، وعلم الدين البرزالي (ت 739) (2) ، وشمس الدين الذهبي (ت 748) (3) ، وابن الوردي (ت 749) (4) ، وصلاح الدين الصفدي (ت 764) (5) ، وابن شاكر الكتبي (ت 764) (6) ، وشمس الدين الحسيني (ت 765) (7) ، وتاج الدين السبكي (ت 771) (8) ، وجمال
__________
(1) أجوبة ابن سيد الناس (نسختي المصورة عن الاسكوريال رقم 1160).
(2) في معجم شيوخه ، ولم يصل إلينا ، ولكن وصلت بعض ترجمة المزي منه في المصادر الاخرى منقولة عنه.
(3) تذكرة الحفاظ : 4 / 1498 ، وذيل دول الاسلام : 2 / 247 ، ومعجم شيوخه الكبير : 2 / الورقة : 90 من نسختي المصورة ، والمعجم المختص بمحدثي العصر ، ولم تصل إلينا ترجمته فيه ولكن نقلت منها المصادر الاخرى مثل طبقات السبكي والدرر لابن حجر وغيرهما.
(4) تتمة المختصر : 2 / 332.
(5) أعيان العصر : 12 / الورقة : 128 123 من نسختي المصورة وهي بخطه.
(6) عيون التواريخ ، الورقة : 59 (كيمبرج : 2923) ، وهو بخطه ، وفوات الوفيات : 4 / 353 من طبعة العالم إحسان عباس.
(7) الذيل على ذيل العبر : 229.
(8) طبقات الشافعية الكبرى : 10 / 395.

(1/9)


الدين الاسنوي (ت 772) (1) وتقي الدين ابن رافع السلامي (ت 774) (2) ، وصهره عماد الدين ابن كثير (ت 774) (3).
وترجم له بعد عصره جماعة ، منهم : ابن ناصر الدين الدمشقي (ت 842) (4) ، والمقريزي (ت 845) (5) ، وابن قاضي شهبة (ت 851) (6) ، وابن حجر العسقلاني (ت 852) (7) ، وابن تغري بردي (ت 874) (8) ، والسخاوي (ت 902) (9) ، والسيوطي (ت 911) (10) ، والنعيمي (ت 927) (11) ، وابن طولون (ت 953) (12) ، وطاش كبري زادة (ت 967) (13) ، وابن هداية الله المصنف (ت 1014) (14) ، وابن العماد الحنبلي (ت 1089) (15) ، والشوكاني (ت 1250) (16) ، وغيرهم (17).
__________
(1) طبقات الشافعية : 2 / 464.
(2) الوفيات ، الورقة : 44 (الترجمة : 286 بتحقيق تلميذنا الفاضل صالح مهدي عباس ، ولم تطبع بعد).
(3) البداية والنهاية : 14 / 191 وفي غير موضع قبل هذه الصفحة.
(4) التبيان ، الورقة : 166 ، والرد الوافر : 128.
(5) السلوك : ج 2 ق 3 ص : 616.
(6) التاريخ ، الورقة : 36 (وفيات 742 من نسخة باريس : 1398) ، وطبقات الشافعية ، الورقة : 119 (دار الكتب : 1568 تاريخ).
(7) الدرر الكامنة : 5 / 233.
(8) المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي ، الورقة : 857 (أحمد الثالث : 3018) ، والنجوم : 10 / 76 (79)
(9) وجيز الكلام في ذيل دول الاسلام : وفيات 742 من نسخة كوبرلي : 1189 وله ذكر في غير صع من كتابة : الاعلان بالتوبيخ.
(10) طبقات الحفاظ : 517.
(11) الدارس : 1 / 35.
(12) القلائد الجوهرية : 329 ، والمعزة فيما قيل في المزة : 10.
(13) مفتاح السعادة : 2 / 367.
(14) طبقات الشافعية : 227.
(15) شذرات الذهب : 6 / 136.
(16) البدر الطالع : 2 / 353.
(17) وله ذكر أو ترجمة في كل من : كشف الظنون لحاجي خليفة : 1 / 116 ، 2 / 1509 ، 1510 ، 169 ، وإيضاح المكنون : 1 / 241 ، وهدية العارفين للبغدادي : 2 / 556 ، وإعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء للطباخ : 4 / 579 ، والرسالة المستطرفة لمحمد بن جعفر الكتاني : 168 ، 208 ، وفهرس الفهارس لمحمد عبد الحي الكتاني : 1 / 107 ، والاعلام للعلامة المرحوم خير الدين الزركلي : 9 / 313 ، وتاريخ الادب لبروكلمان : 2 / 75 ، والملحق : 2 / 66 (بالالمانية) ، ومقدمة تحفة الاشراف وغيرها.

(1/10)


وغالبا ما ينقل هؤلاء الواحد عن الآخر ، لكننا وجدنا أكثر التراجم أصالة ومنفعة هي تراجم الذهبي والصفدي والسبكي وابن كثير وابن حجر لما حوته من معلومات متنوعة.
بيئة المزي ونشأته :
كانت بلاد الشام منذ النصف الثاني من القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) تعيش في ظل دولة المماليك البحرية التي قامت على أنقاض الدولة الايوبية ، وأصبحت من أعظم مراكز القوى في العالم الاسلامي بسبب قدرتها على إيقاف التقدم المغولي المدمر الذي قضى على الخلافة العباسية ببغداد.
وعاشت دمشق آنذاك وهي تشهد عز الاسلام..عيدت أولا في سنة (658) على خير عظيم حينما تمكنت جيوشها من هزيمة جيوش المغول المدمرة شر هزيمة في "عين جالوت"غربي بيسان من أرض فلسطين الصابرة ، وتنظيف البلاد الشامية من فلولهم المدحورة..
وعيدت ثانية في السنة نفسها بولاية مجاهد عظيم عليها هو السلطان العظيم الملك الظاهر ركن الدين أبو الفتوح بيبرس"658 676" ، ثم شهدته بعد ذلك الانتصار وهو يكيل الضربات القوية للعدو الصليبي المخذول يحاول إزاحته من أرض العروبة والاسلام حتى أوهنه وأوهاه وأنحله وأضناه ، وحرر القسم الاكبر من السواحل الشامية التي كانت بأيدي الغزاة الصليبيين (1) ، فأعاد بذلك سيرة السلطان المجاهد صلاح الدين يوسف الايوبي رضي الله عنه في الجهاد.
ثم شهدت هذه المدينة المجاهدة في سنة (690) تحرير آخر
__________
(1) تاريخ الاسلام للذهبي ، الورقة 35 34 (أيا صوفيا : 3014).

(1/11)


شبر من أرض العروبة والاسلام وتنظيف البلاد من الغزاة الصليبيين على عهد السلطان الملك الاشرف صلاح الدين خليل (1)
..سمعت المنادي في مستهل ربيع الاول من السنة ينادي للغزاة في سبيل الله إلى عكا ، وشاهدت المطوعة ، وفيهم المحدثون والفقهاء والمدرسون والصالحون ينضمون إلى الجيش. قال الإمام الذهبي : وكان يومها شابا في السابعة عشرة من عمره : وجاءت إليه جيوش الشام بأسرها ، وأمم لا يحصيهم إلا الله تعالى من المطوعة ، فكانوا قدرالجندمرات" (2)..شاهدت هؤلاء الأئمة الاعلام ، وهم يجرون عجل المنجنيقات يرتلون القرآن الكريم ، ويقرؤون أحاديث الجهاد ، يتجهون نحو تحرير الارض ، وصيانة حرمة الاسلام ، فلم يلبث أن فتح المسلمون عكا في يوم واحد ، كان يوم الجمعة المبارك السابع عشر من جمادى الاولى من السنة. وتوالت الانتصارات بعد فتح عكا ، ففتحت صور ، وصيدا ، وبيروت ، وغيرها حتى حررت جميع السواحل الشامية ونظفت من دنس الغزاة (3).
وكانت بلاد الشام إلى جانب ذلك قد أصبحت مركزا كبيرا من مراكز الحركة الفكرية ، فيها من المدارس العامرة ، ودور القرآن والحديث العدد الكثير ، عمل على تعميرها حكامها وبعض المياسير من أهلها ، ونشطت في عهد الشهيد نور الدين محمود بن زنكي. وكانت العناية بالدراسات الدينية من تفسير وحديث وفقه وعقائد وما يتصل بها
__________
(1) قال الذهبي في ترجمة من تاريخ الاسلام : جلس على تخت الملك سنة تسع وثماني وست مئة ، واستفتح الملك بالجهاد فسار ونازل عكا وافتتحها ونظف الشام كله من الفرنج..ولو طالت حياته لاخذ العراق وغيرها ، فإنه كان بطلا شجاعا مقداما مهيبا عالي الهمة يملا العين ويرجف القلب رأيته مرات.." (الورقة : 225 من مجلد أيا صوفيا ذي الرقم 3014).
(2) تاريخ الاسلام للذهبي ، الورقة : 205 من المجلد المذكور.
(3) البرزالي : المقتفي لتاريخ أبي شامة (حوادث سنة 690) من نسختي المصورة عن أحمد الثالث 2951 ، وتاريخ الاسلام للذهبي : 207 205 من المجلد المذكور ، والبداية لابن كثير : 13 / 321.

(1/12)


من علوم العربية هي السمة البارزة لهذا العصر ، فأنتجت هذه الحركة أكلها في القرن الثامن الهجري الذي تبوأت فيه دمشق السيادة العلمية والفكرية في جميع أنحاء العالم الاسلامي بما أنتجت من تراث فكري ، وأنجبت من علماء بارزين في هذه الميادين.
لكننا لاحظنا ، ونحن نرصد هذه الحركة تباينا شديدا في قيمة الانتاج الفكري لهذه الفترة وأصالته ، فوجدنا الكثير من المؤلفات الهزيلة التي لم تكن غير تكرار لما هو موجود في بطون الكتب السابقة ، ثم وجدنا بعض المؤلفات التي امتازت بالاصالة والابداع والمناهج العلمية المتميزة. وقد زاد من صعوبة الابداع وخاصة في العلوم الدينية أن الواحد من العلماء كان يجد أمامه تراثا ضخما ممتدا عبر القرون في الموضوع الذي يوم التأليف فيه ، وهو في وضعه هذا يختلف عن المؤلفين الاولين الذي لم يجابهوا مثل هذا التراث الغزير (1).
في هذه البيئة السياسية والفكرية ولد الحافظ جمال الدين أبو الحجاج يوسف ابن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن علي بن عبد الملك بن علي بن أبي الزهر الكلبي القضاعي المزي في ليلة العاشر من شهر ربيع الآخر سنة (654) بظاهر حلب (2) من عائلة عربية الاصل ترجع إلى قبيلة كلب القضاعية التي استوطنت البلاد الشامية منذ فترة مبكرة.
وانتقل جماد الدين إلى دمشق ، فسكن المزة (3) القرية الكبيرة الغناء الواقعة في وسط بساتين دمشق جنوب غربيها والظاهر أن الكلبيين كانوا يكونون القسم الاكبر من سكانها منذ العهود الاسلامية الاولى ،
__________
(1) ينظر كتابنا : الذهبي ومنهجه : 75 فما بعد (القاهرة : 1976).
(2) الذهبي في معجم الشيوخ : 2 / الورقة : 90 ، وعيون التواريخ لابن شاكر ، الورقة : 59 ، وأعيان العصر للصفدي ، الورقة : 123 ، وطبقات السبكي : 10 / 400.
(3) انظر عن"المزة"معجم البلدان لياقوت : 4 / 532.

(1/13)


لذلك قيل فيها : مزة كلب" ، قال الشاعرابن قيس الرقيات :
حبذا ليلتي بمزة كلب • غال عني بها الكوانين غول
وبها على ما يروى قبر الصحابي دحية بن خليفة بن فروة الكلبي القضاعي (1) ، فلعل هذا هو الذي يفسر اختيار هذا المكان من دمشق سكنا له ، إذ ربما كان له فيها بعض الاقرباء. ولا نعلم فيما إذا كان قدم دمشق وحده أم صحبة عائلته حيث تسكت المصادر عن ذلك ، كما لا نعلم متى كان قدومه ، ولكن يظهر أنه قدم منذ فترة مبكرة لقول تلميذه ورفيقه الإمام الذهبي : نشأ بالمزة" (2).
وقرأ يوسف القرآن الكريم وشيئا من الفقه ، لكن عائلته على ما يظهر ، لم تعتن به العناية الكافية ولم توجهه إلى طلب الحديث منذ فترة مبكرة كما فعلت عائلة رفيقه وتلميذه الإمام الذهبي (3) ، ويبدو أنها لم تكن عائلة مشهورة بالعلم والطلب ، ولم يكن والده من العلماء المشهورين (4) ، فلم يكن له إلا أن يطلبه هو بنفسه حينما بلغ الحادية والعشرين من عمره ، فكان أول سماعه في سنة (675) (5) ، فلو كان له من يعتني به ، ويستجيز له ، ويوجهه ، لادرك إسنادا عاليا ، قال تلميذه
__________
(1) معجم البلدان : 4 / 532 ، وراجع الاسيتعاب لابن عبد البر : 2 / 461.
(2) تذكرة الحفاظ : 4 / 1498 ، ومعجم الشيوخ : 2 / الورقة : 90.
(3) انظر كتابنا : الذهبي ومنهجه : 81 78. ووجدنا أخا الذهبي من الرضاعة أبا الحسن بن العطار"724 654"يستجيز للذهبي جملة من مشايخ عصره في سنة مولده"الدرر لابن حجر : 3 / 426). وقد انتفع الذهبي بهذه الاجازة انتفاعا شديدا (وراجع معجم شيوخ الذهبي : م 1 / الورقة : 8 و12 و18 و80 و90 م 2 / الورقة : 6 و31 و59 و60 و87 و88 وغيرها).
(4) وصف الذهبي في معجم شيوخه والد المزي بأنه"الشيخ العالم المقرئ زكي الدين عبد الرحمن" ، لكن الكتب المعنية بالقراء لم تترجم له ! (5) أعيان العصر : 12 / الورقة : 123 ، وتذكرة الحفاظ : 4 / 1498 ، ومعجم الشيوخ : 2 / الورقة : 90. وذكر الشيخ عبد الصمد شرف الدين في مقدمة تحفة الاشراف أن ذلك كان سنة 674 (1 / 22 من المقدمة) ولم نجد لذلك أصلا.

(1/14)


الصلاح الصفدي : ولم يتهيأ له السماع من ابن عبد الدائم (1) ولا الكرماني (2) ولا ابن أبي اليسر (3) ونحوهم ، ولا أجازوا له ، مع إمكان أن تكون له إجازة المرسي (4) والمنذري (5) وخطيب مردا (6) واليلداني (7) وتلك الحلبة" (8) ، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني : ولو كان له من يسمعه صغيرا ، لسمع من ابن عبد الدائم والكرماني وغيرهما ، ولكنه طلب بنفسه في أول سنه خمس وسبعين"9.
سماعه وشيوخه
كان أول سماعه الحديث على الشيخ المسند المعمر زين الدين أبي العباس أحمد بن أبي الخير سلامة بن إبراهيم الدمشقي الحداد الحنبلي (678 589) ، فسمع أول ما سمع كتاب"الحلية"لابي نعيم ثم أكثر عنه (10) ، قال إمام المؤرخين شمس الدين الذهبي : وقرأ عليه المزي شيخنا شيئا كثيرا ، وسمع منه"حلية الاولياء" ، ورثاه بابيات بعد موته ، وسألته عنه ، فقال : شيخ جليل متيقظ ، عمر ، وتفرد بالرواية عن كثير من مشايخه ، وحدث سنين كثيرة وسمعنا منه الكثير ، وكان سهلا
__________
(1) زين الدين أبو العباس أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي الحنبلي مسند الشام"668 575" (تاريخ الاسلام في سنة وفاته أيا صوفيا 3013 ، والعبر : 5 / 288)
(2) بدر الدين عمر بن محمد بن أبي سعد التاجر"668 570.
(3) مسند الشام تقي الدين أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر شاكر التنوخي"672 589" (تاريخ الاسلام ، الورقة : 9 (أيا صوفيا : 3014) ، والعبر : 5 / 299).
(4) شرف الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن عبد الله السلمي الاندلسي"655 570" (تاريخ الاسلام في سنة وفاته أيا صوفيا : 3013).
(5) زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري الشامي الاصل المصري"656 581" (ينظر كتابنا : المنذري وكتابه التكملة ، النجف : 1968).
(6) أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد المقدسي الحنبلي"656 566" (تاريخ الاسلام ، وفيات : 656 من مجلد أيا صوفيا : 3013).
(7) تقي الدين عبد الرحمن بن المنعم بن عبد الرحمن ، من أهل يلدان (المعروفة اليوم بيدا في دمشق جنوب شرقيها""655 568" (تاريخ الاسلام ، وفيات سنة 655 من مجلد أيا صوفيا : 3013).
(8) أعيان العصر : 12 / الورقة : 123.
(9) الدر لابن حجر : 5 / 233.
(10) تذكرة الحفاظ : 4 / 1498 ، والدرر : 5 / 233.

(1/15)


في الرواية" (1). وكانت لأحمد هذا مكانة علمية رفيعة دللت عليها رواية جملة من ثقات العلماء عنه منهم : شرف الدين الدمياطي ، وابن الحلوانية ، وابن الخباز ، وابن العطار ، وشيخ الاسلام التقي ابن تيمية ، والبرزالي ، وطائفة سواهم ، بل سمع منه ابن الحاجب الاميني بعرفات سنة (620) وخرج له في معجمه (2) ، وعاش ابن سلامة هذا بعد ابن الحاجب ثمانية وأربعين عاما (3).
ومنذ ذلك الحين اتجهت همة المزي إلى سماع الحديث ، فسمع من الجم الغفير ، سمع عليهم الكتب الكبار الامهات مثل : الكتب الستة ، ومسند الإمام أحمد ، والمعجم الكبير لابي القاسم الطبراني ، وتاريخ مدينة السلام بغداد للخطيب البغدادي ، وكتاب النسب للزبير بن بكار ، والسيرة لابن هشام ، وموطأ الإمام مالك ، والسنن الكبير ، ودلائل النبوة كلاهما للبيهقي بحيث قال تلميذه الصلاح الصفدي : وأشياء يطول ذكرها ، ومن الاجزاء ألوفا" (4). وذكروا أن مشيخته نحو الالف شيخ (5) ، أورد الذهبي الكثير منهم في تاريخ الاسلام ، وكان يسأله عن أحوال بعضهم (6).
وتجول المزي في المدن الشامية ، فسمع بالقدس الشريف ، وحمص ، وحماة ، وبعلبك ، وحج وسمع بالحرمين الشريفين. ورحل إلى البلاد المصرية ، فسمع بالقاهرة ، والاسكندرية ، وبلبيس ، وكانت رحلته إليها في سنة (683) (7) ، وكان بالاسكندرية في سنة (684) حيث قرأ فيها على صدر الدين سحنون المتوفى سنة (695) (8).
__________
(1) تاريخ الاسلام ، الورقة : 59 (أيا صوفيا : 3014).
(2) معجم شيوخ الذهبي : 1 / الورقة : 6 ، وتاريخ الاسلام ، الورقة : 59 (أيا صوفيا : 3014).
(3) لان ابن الحاجب توفي سنة 630 كما هو معروف ، وتوفي ابن سلامة سنة 678.
(4) أعيان العصر : 12 / الورقة : 123.
(5) نفسه ، والدرر : 5 / 233.
(6) انظر مقلا تاريخ الاسلام ، الورقة : 161 ، 162 ، 147 (أيا صوفيا : 3014).
(7) تذكرة الحفاظ : 4 / 1498.
(8) تاريخ الاسلام ، الورقة : 247 (أيا صوفيا : 3014).

(1/16)


وقد ذكر الصلاح الصفدي طبقات شيوخه على الاختصار ، وذكر أبرزهم ، فقال : سمع من أصحاب ابن طبرزذ ، والكندي ، وابن الحرستاني وحنبل ، ثم ابن ملاعب ، والرهاوي ، وابن البناء ، ثم ابن أبي لقمة ، وابن البن ، وابن مكرم والقزويني. ثم ابن اللتي ، وابن صباح ، وابن الزبيدي.
وأعلى ما سمع بإجازة ابن كليب وابن بوش ، والجمال ، وخليل بن بدر ، والبوصيري وأمثالهم. ثم المؤيد الطوسي ، وزاهر الثقفي ، وعبد المعز الهروي.
وسمع أبا العباس ابن سلامة ، وابن أبي عمر ، وابن علان ، والشيخ محيي الدين النووي ، والزواوي ، والكمال عبد الرحيم ، والعز الحراني ، وابن الدرجي ، والقاسم الاربلي ، وابن الصابوني ، والرشيد العامري ، ومحمد بن القواس ، والفخر ابن البخاري ، وزينب ، وابن شيبان ، ومحمد بن محمد بن مناقب ، وإسماعيل بن العسقلاني ، والمجد ابن الخليلي ، والعماد ابن الشيرازي ، والمحيي ابن عصرون ، وأبا بكر بن الانماطي ، والصفي خليلا ، وغازيا الحلاوي ، والقطب ابن القسطلاني وطبقتهم. والدمياطي شرف الدين ، والفاروثي ، واليونيني ، وابن بلبان ، والشريشي ، وابن دقيق العيد ، والظاهري ، والتقي الاسعردي وطبقتهم. وتنازل إلى طبقة سعد الدين الحارثي (1) وابن نفيس (2)" (3).
وعني المزي بدراسة العربية ، فأتقنها لغة وتصريفا ، ففاق أقرانه في ذلك بحيث قال الصلاح الصفدي فيه : ولم أر في أشياخي بعد
__________
(1) قاضي القضاة سعد الدين أبو محمد مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد الحارثي العراقي المصري الحنبلي"711 652" (تذكرة الحفاظ : 4 / 1495).
(2) أبو الحسن علي بن مسعود ابن نفيس الموصلي"704 636" (ذيل العبر للذهبي : 26 ، والذيل لابن رجب : 2 / 351).
(3) أعيان العصر : 12 / الورقة : 124 123.

(1/17)


شيخنا أثير الدين في العربية مثله خصوصا في التصريف واللغة" (1)
وهذه شهادة عالم عارف نستبين قدرها إذا عرفنا مكانة أثير الدين أبي حيان الغرناطي أعظم علماء العربية في القرن الثامن الهجري غير مدافع (2). وقد عرف أبو حيان نفسه قدر المزي ، فأغدق الثناء عليه ، وعلى علمه الجم (3).
تأثره بالفكر السلفي
اتصل المزي اتصالا وثيقا بثلاثة من شيوخ ذلك العصر ، وترافق معهم ، وهم : شيخ الاسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم المعروف بابن تيمية الحراني (728 661) ، والمؤرخ المحدث علم الدين أبو محمد القاسم بن محمد البرزالي (665 739) ، ومؤرخ الاسلام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (748 673) (4) ، فكان المزي أكبرهم سنا ، وكان بعضهم يقرأ على بعض فهم شيوخ وأقران في الوقت نفسه ، وقرأ الثلاثة على المزي واعترفوا بأستاذيته ، وافتخروا بها.
والظاهر أن المزي اتصل في شبيبته ببعض المتصوفة الغلاة. وكان التصوف منتشرا في البلاد انتشارا واسعا ، وظهر بينهم كثير من المشعوذين الذين أثروا في العوام أيما تأثير (5) وانجذب إليهم بعض الشباب ، فاغتر المزي في شبيبته بهم ، فصحب الشاعر (6) الصوفي
__________
(1) أعيان العصر : 12 / الورقة : 127.
(2) راجع عنه كتاب العالمة الفاضلة الدكتورة خديجة الحديثي (أبو حيان النحوي بغداد : 1967).
(3) وذلك في كتابه"القطر الحبي في جواب أسئلة الذهبي" ، انظر كتابنا : الذهبي : 329 ، والدرر : 5 / 234.
(4) راجع كتابنا : الذهبي : 99.
(5) راجع مثلا تاريخ الاسلام ، الورقة : 75 (أيا صوفيا : 3007) ، والورقة : 36 (أيا صوفيا : 3014).
(6) له ديوان شعر مشهور منه نسخة بدار الكتب الظاهرية بدمشق ، وأخرى في الاسكوريال منها مصورة في خزانة كتب المجمع العلمي العراقي. وقال الذهبي : وله شعر في الطبقة العليا والذروة القصوى لكنه مشوب بالاتحاد في كثير من الاوقات"وأورد طائفة منه في تاريخ الاسلام (الورقة : 188 186 أيا صوفيا : 3014).

(1/18)


عفيف الدين أبا الربيع سليمان بن علي التلمساني (1) (690 610).
وكان العفيف هذا من غلاة الاتحادية القائلين بوحدة الوجود (2) على قاعدة ابن عربي ، ونسبه جماعة إلى رقة الدين ، وتعاطي المحرمات (3) ، فلما تبين للمزي انحلال العفيف واتحاده ، تبرأ منه ، وحط عليه (4).
ولعل مفارقته للعفيف التلمساني واضرابه كانت نتيجة تأثره بالإمام تقي الدين ابن تيمية الذي أعجب به المزي أيما إعجاب ، فكان أكثر رفاقه صلة ومحبة بالشيخ الإمام (5).
وكانت شخصية الإمام ابن تيمية قد اكتملت في نهاية القرن السابع الهجري ، فأصبح مجتهدا له آراؤه الخاصة التي تقوم في أصلها على اتباع آثار السلف ، ونتقية الدين من الخرافات ، والمعتقدات الطارئة عليه ، وابتدأ منذ سنة 698 يدخل في خصومات عقائدية حادة مع علماء عصره المخالفين له (6) ، ويقيم الحدود بنفسه (7) ، ويحارب المشعوذين (8) ، ويمنع من تقديم النذور لغير الله (9) ، ويريق الخمور (10) ، ونحو ذلك من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وظهرت شخصية الإمام ابن تيمية السياسية في الحرب الغازانية سنة (699) بعد هزيمة الجيوش المصرية والشامية أمام غزو غازان سلطان المغول في موقعة الخزندار ، فقد قابل ابن تيمية غازان وكلمه
__________
(1) تذكرة الحفاظ : 4 / 1499 ، وأعيان العصر : 12 / الورقة : 124.
(2) تاريخ الاسلام ، الورقة : 186 (أيا صوفيا : 3014).
(3) البداية والنهاية : 13 / 326 ، وشذرات الذهب : 5 / 412 ، وتاريخ الاسلام ، الورقة : 186 (أيا صوفيا : 3014).
(4) تذكرة الحفاظ : 4 / 1499.
(5) انظر أقوال المزي في ابن تيمية بكتاب"الرد الوافر"لابن ناصر الدين"130 128.
(6) البداية : 14 / 27 ، والدرر : 5 / 234.
(7) البداية : 14 / 19.
(8) الوافي بالوفيات : 5 / 18 ، والبداية : 14 / 33 وفتواه في الصوفية والفقراء (القاهرة : 1348 ه)
(9) البداية : 14 / 34.
(10) نفسه : 14 / 11.

(1/19)


كلاما شديدا ، وعمل على ثبات البلاد حينما خلت من الجيوش القادرة على رد الغزو المدمر ، فكان يدور على الاسوار يحرض الناس على الصبر والقتال ، ويتلو عليهم آيات الجهادو الرباط ، وأقام معسكرات التدريب في كل مكان ومنها المدارس ، فكان المحدثون والفقهاء يتعلمون الرمي ، ويستعدون لقتال العدو (1). ثم سافر إلى مصر يحض الدولة والناس على القتال حتى تمكن في سنة (702) من رص الصفوف ، وتوحيد القلوب ، وتحديد الهدف مما أدى إلى الانتصار الكبير في وقعة"شقحب"التي شارك الإمام ابن تيمية في القتال فيها يصحبه طلبة العلم من المحدثين والفقهاء والصالحين ، وكان يحرض الجيش والمطوعة في ساحة القتال على البلاء ويبشرهم بالنصر (2) ، قال ابن كثير : وجعل يحلف بالله الذي لا إله إلا هو"إنكم منصورون عليهم هذه المرة ، فيقول له الامراء : قل إن شاء الله ، فيقول : إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا ، وأفتى الناس بالفطر مدة قتالهم وأفطر هو أيضا" (3).
أقول : إن هذه الشخصية العظيمة جذبت المزي إليها ، فأعجب المزي بابن تيمية الاعجاب كله ، وترافق معه طيلة حياته ، قال الذهبي : ترافق هو وابن تيمية كثيرا في سماع الحديث ، وفي النظر في العلم ، وكان يقرر طريقة السلف في السنة ، ويعضد ذلك بمباحث نظرية وقواعد كلامية..وما وراء ذلك بحمدالله إلا حسن إسلام وحسبة لله مع أني لم أعلمه ألف في ذلك شيئا" (4) ، وقال التاج السبكي : واعلم أن هذه الرفقة أعني المزي والذهبي والبرزالي وكثيرا من أتباعهم ، أضر بهم أبو العباس ابن تيمية إضرارا بينا ،
__________
(1) انظر تاريخ الاسلام ، الورقة : 334 فما بعد (أيا صوفيا : 3014) ، والبداية : 14 / 12 6.
(2) أعيان العصر : 8 / 7 1 من نسختي المصورة عن أيا صوفيا : 2968.
(3) البداية : 14 / 26.
(4) تذكرة الحفاظ : 4 / 1499.

(1/20)


وحملهم من عظائم الامور أمرا ليس هينا ، وجرهم إلى ما كان التباعد عنه أولى بهم ، وأوقعهم في دكادك من نار المرجو من الله أن يتجاوزها لهم ولاصحابهم" (1). وهذه النصوص تشير إلى قدم هذه العلاقة التي ابتدأت منذ أيام الطلب ، وأخذت تنمو على مرور الايام ، فتزيد متانة وصلابة.
وهكذا تكون فكر الحافظ المزي ، فهو شافعي المذهب ، سلفي العقيدة ، أخلص الاخلاص كله لرفيقه ابن تيمية وآرائه التجديدية ، وجعله مثله الاعلى ، ويظهر ذلك جليا من دراسة سيرتيهما ، فقد أوذي المزي بسبب ذلك : أوذي مرة ، واختفى مدة من أجل تحديثه بتاريخ بغداد للخطيب البغدادي (2) ، وأوذي ثانية في رجب من سنة (705) حينما تناظر ابن تيمية مع الاشاعرة عند نائب السلطنة الافرم ، وقرئت عقيدة ابن تيمية الواسطية وحصل البحث في أماكن منها ، ثم اضطر المناظرون له إلى قبولها بعد أن أفحمهم شيخ الاسلام ، فقعد المزي عندئذ تحت قبة النسر بجامع دمشق ، وقرأ فصلا بالرد على الجهمية من كتاب"أفعال العباد"للامام البخاري بعد قراءة ميعاد البخاري ، فغضب بعض الفقهاء الشافعية الحاضرون ، وقالوا : نحن المقصودون بذلك ، وشكوه إلى القاضي الشافعي نجم الدين أحمد بن صصرى ، وكان عدوا للشيخ ابن تيمية ، فسجن المزي ، فبلغ الشيخ تقي الدين ذلك
__________
(1) الطبقات : 10 / 400 وهذا الكلام جزء من كلامه في هؤلاء الرفقة من الأئمة الاعلام ولاسيما في شيخه الذهبي بحيث قال فيه : والذي أدركنا عليه المشايخ النهي عن النظر في كلامه وعدم اعتبار قوله ، ولم يكن يستجري أن يظهر كتبه التاريخية إلا لمن يغلب على ظنه أنه لا ينقل عنه ما يعاب عليه" (الطبقات : 2 / 14 13) ، قال ذلك وشحن كتابه الطبقات من كتب الذهبي إذ كان معتمده الرئيس !
وكان السبكي أشعريا جلدا بحيث قال فيه عز الدين الكناني"ت 819" : هو رجل قليل الادب ، عديم الانصاف جاهل بأهل السنة ورتبهم" (الاعلان للسخاوي : 469 فما بعد ، ومعجم الشافعية لابن عبد الهادي ، الورقة : 48 47 (الظاهرية) ، وانظر مناقشتنا لاقواله في الفصل الذي كتبناه عن"النقد"عند الذهبي من كتابنا : الذهبي ومنهجه ، وخاصة : 458 فما بعد).
(2) أعيان العصر : 12 / الورقة : 124.

(1/21)


فتألم لحبس المزي ، وذهب إلى السجن ، وأخرجه بنفسه ، ولم يحفل بالسلطة ، وراح إلى القصر ، فوجد القاضي ابن صصري هناك ، فتقاولا بسبب المزي ، فحلف ابن صصرى لا بد أن يعيده إلى السجن وإلا عزل نفسه ، وكان الافرم غائبا عن دمشق ذلك اليوم ، فأمر نائبه بإعادته تطييبا لقلب القاضي ، فحبسه عنده أياما ثم أطلقه (1).
وكان ابن تيمية كثير الاعتماد على المزي وعلمه ومعرفته ، فحينما خرج من سجنه بمصر سنة (709) بعد عودة السلطان محمد بن قلاوون وجلس في القاهرة ينشر علمه ، احتاج إلى بعض كتبه التي بالشام ، فكتب إلى أهله كتابا يطلب جملة من كتب العلم التي له ، وطلب منهم أن يستعينوا على ذلك ، بجمال الدين المزي"فانه يدري كيف يستخرج له ما يريده من الكتب التي أشار إليها" (2). وحينما ولي المزي أكبر دار حديث بدمشق هي دار الحديث الاشرفية سنة (718) فرح ابن تيمية فرحا عظيما بذلك وقال : لم يل هذه المدرسة من حين بنائها إلى الآن أحق بشرط الواقف منه" (3). وقد وليها عظماء العلماء المحدثين منهم : تقي الدين ابن الصلاح (643 577) ، وابن الحرستاني (662 577) ، وأبو شامة (665 599) ومحيي الدين النووي (676 631) وغيرهم ، فقد اعتمد ابن تيمية قول الواقف : ان اجتمع من فيه الرواية ومن فيه الدراية قدم من فيه الرواية" (4) ففضله ابن تيمية بذلك على جميع المتقدمين في الرواية.
ولما توفي شيخ الاسلام ابن تيمية مسجونا بقلعة دمشق ، لم يسمح لاحد بالدخول أول الامر إلا لخواص أصحابه ، قال ابن كثير :
__________
(1) البداية : 14 / 37 ، وأعيان العصر : 12 / الورقة : 124 ، والدرر : 5 / 234 ، والدارس للنعيمي : 1 / 98 97 ، والبدر الطالع : 14 / 66 ، 2 / 353.
(2) البداية : 14 / 55 54.
(3) أعيان العصر : 12 / الورقة : 124 ، والدارس : 1 / 35.
(4) أعيان العصر : 12 / الورقة : 124.

(1/22)


"وكنت فيمن حضر هناك مع شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي رحمه الله وكشفت عن وجه الشيخ ، ونظرت إليه وقبلته..ثم شرعوا في غسل الشيخ ، وخرجت إلى مسجد هناك ، ولم يدعوا عنده إلا من ساعد في غسله ، منهم شيخنا الحافظ المزي ، وجماعة من كبار الصالحين الاخيار أهل العلم ، والايمان" (1). ولما مات المزي بعد ذلك بأربعة عشر عاما ، دفن غربي قبر رفيقه وصديقه ابن تيمية (2) رضي الله عنهما.
وظل الشيخ بعد وفاة ابن تيمية مؤمنا بهذه العقيدة ، ولم يفتر عن دوام الايمان بها ، فنجده مدافعا منافحا عن عقيدة الاسلام الصحيحة محاربا الخارجين المارقين عنها ، فيشاهده الناس في ذي القعدة من سنة (741) وهو في الثامنة والثمانين من العمر يحضر المجلس بدار العدل مع رفيقه في العقيدة الإمام الذهبي عند محاكمة عثمان الدكالي ، أحد المارقين عن الاسلام ، قال ابن كثير : وتكلما ، وحرضا في القضية جدا ، وشهدا بزندقة المذكور بالاستفاضة وكذا الشيخ زين الدين أخو الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، وخرج القضاة الثلاثة المالكي والحنفي والحنبلي وهو نفذوا حكمه في المجلس ، فحضروا قتل المذكور ، وكنت مباشرا لجميع ذلك من أوله إلى آخره" (3). ولم يكن الشافعية الاشاعرة ، ومنهم قاضيهم تقي الدين السبكي ، قد وافقوا على محاكمة هذا الرجل ، قال ابن حجر في ترجمة الدكالي هذا : كان من الخانقاه السميساطية فدعا طائفة إلى مقالات الباجريقي ، فشاع أمره ، فأمسك ، وقامت عليه البينة بالامور المنكرة فحبس ، ثم حضر المزي والذهبي ، فشهدا عليه بالاستفاضة بما نسب إليه ، فحكم القاضي شرف الدين المالكي بإراقة دمه ، ولم يكن ذلك
__________
(1) البداية : 14 / 138.
(2) البداية : 14 / 192.
(3) البداية : 14 / 190.

(1/23)


رأي النائب ألطنبغا ولا التقي السبكي" (1).
منزلة المزي العلمية
1ـ أبرز آثاره
احتل المزي مكانة عظيمة بين علماء القرن الثامن الهجري في الحديث وعلومه ، وما يتصل بهما ، وقامت شهرته على أعظم كتابين ألفهما في فنهما هما"تحفة الاشراف""وتهذيب الكمال.
ويعد كتاب"تحفة الاشراف بمعرفة الاطراف (2)"من أعظم الكتب المؤلفة في أطراف الكتب الستة وبعض لواحقها ، كان الغرض الاساس منه جمع أحاديث الكتب الستة وبعض لواحقها بطريق تسهل على القارئ معرفة أسانيدها المختلفة مجتمعة في موضع واحد. وقد رتبه على الأسانيد دون المتون ، فصار معجما مرتبا على تراجم أسماء الصحابة والتابعين وأتباع التابعين ، وفي بعض الاحيان أتباع أتباع التابعين فدونت جميع أحاديث الكتب الستة وبعض لواحقهما على هذه الأسماء ، فأصبح يتكون من (1395) مسندا منها (995) مسندا منسوبا إلى الصحابة بعد أن رتب أسماءهم على حروف المعجم ، والباقية من المراسيل وعددها أربع مئة منسوبة إلى أئمة التابعين ومن بعدهم على حروف المعجم أيضا ، وهو عمل هائل تعجز عنه العصبة (3). يضاف إلى ذلك أن المزي لم يقتصر فيه على الكتب الستة كما ذكرنا ، بل أضاف إليها من لواحق ومؤلفات أصحاب الستة : أ- مقدمة صحيح
__________
(1) الدرر : 3 / 56.
(2) يطبع بعناية عبد الصمد شرف الدين طبعة علمية جيدة. وطريقة كتب الاطراف أن تذكر حديث الصحابي مفردا مثل أهل المسانيد ، إلا أنهم يذكرون طرفا من الحديث في الغالب خلاف أصحاب المسانيد فانهم يذكرون الحديث بتمامه. ومن أعظم فوائدها أن الباحث يكتفي بمطالعة كتاب من كتب الاطراف فيغنيه عن مطالعة جميع الكتب التي كونت مادتها إذا كان يريد معرفة طرق الحديث فيها بسبب تجمعها في مكان واحد.
(3) راجع مقدمة الكتاب.

(1/24)


مسلم. ب- كتاب المراسيل لابي داود. ج- كتاب العلل للترمذي ، وهو الذي في آخر كتاب الجامع له. د- كتاب الشمائل للترمذي أيضا.
ه كتاب عمل يوم وليلة للنسائي.
وحينما انتهى من تأليف الكتاب ألحق به بعد ذلك ذيلا سماه. "لحق الاطراف"تتبع فيه بعض الاحاديث التي لم ترد إلا برواية ابن الاحمر من كتاب النسائي. وذكر الحافظ ابن حجر أنه شاهده في جزء لطيف ، ثم شاهد نسخة ابن كثير من"التحفة"وعليها هذا اللحق بخط المؤلف (1).
وقد ذكر ابن حجر أنه"قد حصل الانتفاع بهذا الكتاب شرقا وغربا ، وتنافس العلماء في تحصيله بعدا وقربا (2)". ونظرا لهذه المنزلة التي احتلها في هذا الفن ، فقد تناوله العلماء بالاستدراك والتلخيص والتعليق ، لانه صار الكتاب المعتمد في هذا الفن.
وقد اختصره تلميذه ورفيقه مؤرخ الاسلام الذهبي في مجلدين على ما ذكر الصفدي (3) وابن شاكر (4) والسبكي (5) والزركشي (6) وسبط ابن حجر (7).
واختصره أبو العباس أحمد بن سعد بن محمد الاندرشي المتوفى سنة (750) وسماه"العمدة في مختصر الاطراف" (8).
وألف العلامة علاء الدين مغلطاي بن قليج الحنفي المتوفى سنة (762) مستدركا على تحفة الاشراف ذكر ابن حجر أن فيه أوهاما منه.
__________
(1) راجع مقدمة كتاب"النكت الظراف"لابن حجر.
(2) نفسه : 1 / 4 (بهامش تحفة الاشراف).
(3) الوافي بالوفيات : 2 / 164 ، ونكت الهميان : 243.
(4) عيون التواريخ ، الورقة : 86.
(5) الطبقات : 9 / 105.
(6) عقود الجمان ، الورقة : 79 (نسخة مكتبة فاتح باستانبول ذات الرقم : 4435).
(7) رونق الالفاظ ، الورقة : 181 (نسخة الخالدية بالقدس ، رقم : 11 تراجم).
(8) كشف الظظنون : 2 / 1560.

(1/25)


وكتب الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين المعروف بالحافظ العراقي المتوفى سنة (806) بعض المستدركات على هامش نسخته أفاد منها ولده العلامة ولي الدين العراقي المتوفى سنة (826) حينما ألف جزءا مستدركا على المزي بعد أن أضاف إليه بعض ما جمعه مغلطاي (1).
ويبدو أن الثلاثة : الزين العراقي وولده ومغلطاي لم يطلعوا في أول الامر على"لحق الاطراف"الذي استدرك به المزي على نفسه.
ثم جمع الحافظ ابن حجر كل هذه المستدركات ، وأضاف إليها وأخرجها في كتاب سماه"النكت الظراف (2)". وجمع الحافظ محمد بن فهد المكي المتوفي سنة (871) بين كتابي المزي وابن حجر بكتابه"الاشراف على الجمع بين النكت الظراف وتحفة الاشراف (3).
أما كتاب المزي الثاني ، فهو"تهذيب الكمال"وهو كتابنا هذا ، فإنه يعد أعظم كتاب ألف في فنه غير مدافع أربى فيه على من تقدمه وكسب مؤلفاتهم ، ولم يستطع أحد بعده حتى اليوم أن يبلغ شأوه بله أن يأتي بأحسن منه ، وسيأتي الكلام عليه مفصلا في الفصل الثاني من هذه المقدمة.
2- مناصبه العلمية
ونتيجة لما بلغه المزي من منزلة مرموقة بين علماء عصره ، وما عرف عنه من ديانة متينة وحفظ وإتقان وبراعة في الحديث وعلومه ، فقد ولي دار الحديث الاشرفية في يوم الخميس الثالث والعشرين من
__________
(1) مقدمة النكت الظراف لابن حجر ، وكشف الظنون : 1 / 117.
(2) يطبع في أسفل تحفة الاشراف.
(3) يراجع في ذلك مقدمة المجلد الثاني من تحفة الاشراف.

(1/26)


ذي الحجة سنة (718) (1) ، وليها على الرغم من معارضة الكثيرين بسبب صحبته لشيخ الاسلام ابن تيمية وتأييده لآرائه ، لكن علمه وفضله ، وهما مما لا يستطيع أن ينكره الاشاعرة ولا غيرهم ، جعلهم يضطرون إلى توليته هذه الدار التي كانت تعد من أكبر دور الحديث بدمشق (2). وعلى الرغم من أنه كتب بخطه حين وليها بأنه أشعري (3) ، فقد أبانوا عن سخطهم ، فلم يحضروا حفل الافتتاح كما جرت العادة آنذاك ، قال العماد ابن كثير : ولم يحضر عنده كبير أحد ، لما في نفوس بعض الناس من ولايته لذلك مع أنه لم يتولها أحد قبله أحق بها منه ، وما عليه منهم إذا لم يحضروا ؟ فإنه لا يوحشه إلا حضورهم عنده ، وبعدهم آنس ، والله أعلم (4).
وقد جرت محاولات عدة لاخراجه من مشيخة هذه الدار باءت كلها بالفشل لما كان يتمتع به الحافظ المزي من المكانة الرفيعة بدمشق ، تلك المكانة التي اعترف بها المخالف قبل الموافق. واستمرت المكائد تحاك ضده حتى وهوفي آخر شيخوخته ، ففي سنة (739) ولى تقي الدين السبكي قضاء الشافعية بدمشق (5) ، وما إن وصل دمشق حتى حضر عنده الشيخ صدر الدين سليمان بن عبد الحكيم المالكي بعد ليلة واحدة من دخوله (6) ، وكان صدر الدين
__________
(1) تذكرة الحفاظ : 4 / 1499 ، وأعيان العصر : 12 / الورقة : 123 ، والبداية : 14 / 89 ، 91 ، والدارس للنعيمي : 1 / 34.
(2) منسوبة إلى الملك الاشرف مظفر الدين موسى ابن العادل الايوبي ، ابتدأ عمارتها سنة 628 وافتتحت سنة 630 وأول من وليها محدث عصره الحافظ ابن الصلاح المتوفى سنة 643 (تاريخ الاسلام ،
الورقة : 243 أيا صوفيا : 3012 ، والدارس : 1 / 19 فما بعد).
(3) طبقات السبكي : 10 / 398.
(4) البداية : 14 / 89.
(5) الذيل على العبر للذهبي : 204 ، وقال : وفرح المسلمون به"والبداية"14 / 184 ، وطبقات السبكي : 10 / 168.
(6) طبقات السبكي : 10 / 398.

(1/27)


أشعريا جلدا متعصبا على المخالفين (1) ، ولكن التقي السبكي كان يحبه (2) ، فروى التاج السبكي أن والده التقي قال : دخل إلي وقت العشاء الآخرة ، وقال أمورا يريد بها تعريفي بأهل دمشق ، قال : فذكر لي البرزالي وملازمته لي ، ثم انتهى إلى المزي ، فقال : وينبغي لك عزله من مشيخة دار الحديث الاشرفية ، قال الشيخ الإمام (يعني التقي) ، فاقشعر جلدي ، وغاب فكري ، وقلت في نفسي : هذا إمام المحدثين ، الله لو عاش الدارقطني استحيى أن يدرس مكانه. قال : وسكت ، ثم منعت الناس من الدخول علي ليلا ، وقلت : هذه بلدة كثيرة الفتن. فقلت أنا للشيخ الإمام : إن صدر الدين المالكي لا ينكر رتبة المزي في الحديث ، ولكنه كأنه لاحظ ما هو شرط واقفها ، من أن شيخها لابد أن يكون أشعري العقيدة ، والمزي وإن كان حين ولي كتب بخطه بأنه أشعري إلا أن الناس لا يصدقونه في ذلك. فقال : أعرف أن هذا هو الذي لاحظه صدر الدين ، ولكن من ذار الذي يتجاسر أن يقول : المزي ما يصلح لدار الحديث ، والله ركني ما يحمل هذا الكلام (110).
وقد استمر المزي متوليا لهذه الدار طيلة حياته ، وكانت مسكنه ، فكانت ولايته لها قرابة أربعة وعشرين عاما ، ومنها نشر علمه الجم ، وفيها حدث بكتابه العظيم تهذيب الكمال وغيره ، وسمعها عليه الجلة من شيوخ العصر.
وكان المزي ، إضافة إلى ذلك ، شيخا لدار الحديث الحمصية المعروفة بحلقة صاحب حمص ، وإن كنا لا ندري متى تولاها ، ولكنه تنازل عنها لتلميذه الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي
__________
(1) الذيل على ذيل العبر للحسيني : 276 ، والدرر لابن حجر : 2 / 248 ، وذيول تذكرة الحفاظ : 119 ، وتوفي سنة 749.
(2) طبقات السبكي : 10 / 397.
(3) نفسه : 10 / 398 397.

(1/28)


(761 694) فدرس العلائي بها في محرم سنة 728 (1).
وحينما توفي رفيقه وتلميذه علم الدين البرزالي في ذي الحجة من سنة (739) تولى المزي أقدم دار حديث بدمشق وأعرقها هي دار الحديث النورية إلى حين وفاته ، فوليها بعده تلميذه ابن رافع السلامي (2).
وكان بدء تدريس المزي في هذه الدار في المحرم سنة (640) ، وكتب له تلميذه الصلاح الصفدي التوقيع بمشيختها أورد نصه الكامل في كتابه : أعيان العصر (3).
3- تلاميذه
أصبح الإمام المزي حافظ العصر غير مدافع ، وفضله الإمام الذهبي في الحفظ على جميع من لقي من الحفاظ طيلة حياته ، وأتاحت له معرفته الفذة في علم الرجال منزلة مميزة بين أساتيذ العصر ، فأمه طلبة العلم من كل حدب وصوب. وكانت دار الحديث الاشرفية من أعظم الاماكن التي بث منها المزي علمه ، وقد متعه الله بالعمر الطويل ، وصحة الحواس ، وقوة الجسم ، فكان وهو في عشر التسعين معتدل القامة ، قوي الركب ، يصعد إلى الصالحية ماشيا ، ولا يركب بغلة ولا حمارا ، ويستحم بالماء البارد في الشيخوخة (4) ، ويحكم ترقيق الاجزاء وترميمها ، ويعتني بكتابة الطباق عليها (5) ، فحدث زيادة على خمسين سنة (6) ، وقلما نجد عالما دمشقيا من أهل ذلك العصر إلا درس عليه ، قال الذهبي : وغالب المحدثين من دمشق وغيرها قد تلمذوا له ، واستفادوا منه ، وسألوه عن المعضلات ، فاعترفوا بفضيلته ، وعلو ذكره" (7)
__________
(1) ذيل العبر للذهبي : 156 ، والبداية : 14 / 132 ، والدارس ، 1 / 59.
(2) الدارس : 1 / 94 ، 109 ، 113.
(3) أعيان العصر : 12 / الورقة : 128.
(4) نفسه : 12 / الورقة : 123.
(5) الدرر : 5 / 235.
(6) طبقات السبكي : 10 / 401.
(7) كما نقل عنه ابن حجر في الدرر : 5 / 234.

(1/29)


وقد حدث بكتبه مرات عديدة ، وحدث بصحيح البخاري مرات ، وبالمسند للامام أحمد ، وبالمعجم الكبير للامام الطبراني ، وبدلائل النبوة للبيهقي ، وبكتب كثيرة جدا ، كما حدث بسائر أجزائه العالية ، وبكثير من أجزائه النازلة (1).
ويكفيه فخرا وفضلا أن عظماء العلماء من أساتيذه ورفاقه وتلامذته النجب قد أخذوا عنه ، فسمع منه من العلماء الاعلام : شيخ الاسلام ابن تيمية الحراني (ت 728) ، وفتح الدين ابن سيد الناس اليعمري (ت 734) ، وإما المؤرخين والمحدثين شمس الدين الذهبي (ت 748) سمع منه سنة (694) وأخذ عنه صحيح البخاري غير مرة ، والإمام العلامة تقي الدين السبكي (ت 756) وغيرهم. وبه تخرج أعاظم الرواة والمحدثين والمؤرخين من أعلامهم : علم الدين البرزالي (ت 739) ، وشمس الدين أبو عبد الله بن عبد الهادي (ت 744) ، وصلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي (ت 761) ، وعلاء الدين مغلطاي الحنفي (ت 762) ، وتقي الدين ابن رافع السلامي (ت 774) ، والشيخ عماد الدين ابن كثير صهره (ت 774) ، وخلق يطول ذكرهم.
4- آراء العلماء فيه
ونرى من المفيد أن نقتطف هنا آراء العلماء والنقاد المعاصرين فيه ، لما لذلك من أهمية في توثيقه وبيان فضله ومنزلته. وقد نقلنا لك قبل قليل رأي شيخ الاسلام ابن تيمية واعترافه له ، وأنبأناك بثنائه عليه غير مرة.
وقد اتصل به العلامة فتح الدين ابن سيد الناس اليعمري بعد
__________
(1) أعيان العصر : 12 / الورقة : 126.

(1/30)


سنة 690 ، فقال في حقه : ووجدت بدمشق من أهل العلم الإمام المقدم والحافظ الذي فاق من تأخر من أقرانه ومن تقدم أبا الحجاج المزي ، بحر هذا العلم الزاخر وحبره القائل من رآه : كم ترك الاوائل للاواخر ، أحفظ الناس للتراجم ، وأعلم الناس بالرواة من أعارب وأعاجم ، لا يخص بمعرفته مصرا دون مصر ولا ينفرد علمه بأهل عصر دون عصر..وهو في اللغة أيضا إمام..فكنت أحرص على فوائده لاحرز منها ما أحرز..وهو الذي حداني على رؤية شيخ الاسلام ابن تيمية" (1).
وترجم له الذهبي في معجم شيوخه الكبير ، فقال : العلامة الحافظ البارع أستاذ الجماعة جمال الدين أبو الحجاج ، محدث الاسلام الكلبي القضاعي ، المزي الدمشقي ، الشافعي..طلب هذا الشأن سنة خمس وسبعين وهلم جرا إلى اليوم ، فماونى ، ولا فتر ، ولا لها ولا قصر ، وعني بهذا الشأن أتم عناية ، وقرأ العربية ، وأفاد ، وأكثر من اللغة والتصريف. وصنف وأفاد..وكتب الكثير ورواه ، مع السمت الحسن ، والاقتصاد ، والتواضع ، والحلم ، وعدم الشر ، والله يصلحه وإياي. أخبرنا يوسف ابن الزكي الحافظ..(2).
وقال في "تذكرة الحفاظ" : شيخنا الإمام العالم الحبر الحافظ الاوحد محدث الشام..وأما معرفة الرجال ، فهو حامل لوائها ، والقائم بأعبائها ، لم تر العيون مثله..وأوضح مشكلات ومعضلات ما سبق إليها في علم الحديث ورجاله..وكان ثقة حجة ، كثير العلم ، حسن الاخلاق ، كثير السكوت ، قليل الكلام جدا ، صادق
__________
(1) أجوبة ابن سيد الناس ، وهي مما أجاب به أبالحسين بن أيبك الحسامي الدمياطي المتوفى سنة 749 نسخة الاسكوريال : 1160 ، ونقل قوله هذا أيضا الصفدي في أعيان العصر : 121 / الورقة : 127 ، وابن حجر في الدرر : 5 / 235 234. وعندي نسخة مصورة من أجوبة ابن سيد الناس وهي نسخة نفيسة.
(2) معجم الشيوخ : 2 / الورقة : 90.

(1/31)


اللهجة ، لم تعرف له صبوة. وكان يطالع وينقل الطباق إذا حدث وهو في ذلك لا يكاد يخفى عليه شيء مما يقرأ ، بل يرد في المتن والاسناد ردا مفيدا يتعجب منه فضلاء الجماعة (1).
وقال الذهبي أيضا في معجمه المختص بمحدثي العصر (2) : كان خاتمة الحفاظ ، وناقد الأسانيد والالفاظ ، وهو صاحب معضلاتنا ، وموضح مشكلاتنا..ولو كان لي رأي للازمته أضعاف ما جالسته ، فإنني أخذت عنه هذا الشئ بحسبي لا بحسبه ، وكان لا يكاد يعرف قدره إلا من أكثر مجالسته". وقال أيضا : وقد (3) كان مع حسن خطه ذا إتقان قل أن توجد له غلطة ، أو تؤخذ عليه لحنة". وقال أيضا : وكان مأمون الصحبة ، حسن المذاكرة ، خير الطوية ، محبا للآثار ، معظما لطريقة السلف ، جيد المعتقد ، وكان اغتر في شبيبته وصحب العفيف التلمساني ، فلما تبين له ضلاله ، هجره ، وتبرأ منه"
وكان الإمام الذهبي يورد سلسلة أعاظم الحفاظ ، وكتبها بخطه وعنه أخذها الصلاح الصفدي ، والتاج السبكي ، وقراها عليه (4) ، قال الذهبي : ما رأيت أحدا في هذا الشأن أحفظ من الإمام أبي الحجاج المزي ، وسمعته يقول في شيخنا أبي محمد الدمياطي (5) إنه ما رأى أحفظ منه ، وكان الدمياطي يقول : إنه ما رأى شيخا أحفظ من
__________
(1) تذكرة الحفاظ : 4 / 1499 1498.
(2) لم تصل إلينا ترجمته في المعجم المختص لكنها وصلت بما نقل منه الصفدي في أعيان العصر : 12 / الورقة : 125 وابن حجر في الدرر : 5 / 236 235 وان صرح يصرح باسم الكتاب ، والتاج السبكي في الطبقات : 10 / 296.
(3) في الدرر : ولو"وهو تصحيف فاحش غير المعنى بالكلية وانظر ماذا يفعل الناشر الجاهل الذي يدعي معرفة التحقيق ، اللهم نسألك العافية !
(4) أوردها السبكي في ترجمة والده : 10 / 223 220 ، والصفدي في أعيان العصر : 12 / الورقة : 125.
(5) توفي سنة 705 ، وهو أشهر من أن يذكر.

(1/32)


زكي الدين عبد العظيم (1)..الخ.
ونقل الصفدي عن الذهبي قوله : لم يسألني ابن دقيق العيد إلا عنه" (2).
وقال الذهبي نفسه في ترجمة الضياء المقدسي المتوفي سنة (643) من تاريخ الاسلام : سألت الحافظ أبا الحجاج المزي ، وما رأيت مثله (3).."
وقال شمس الدين الحسيني المتوفى سنة (765) : وكان مع تبحره في علم الحديث رأسا في اللغة العربية والتصريف ، له مشاركة جيدة في الفقه وغيره ، ذا حظ من زهد وتعفف ، ويقنع باليسير. وقد شهد له بالإمامة جميع الطوائف ، وأثنى عليه الموافق والمخالف (4).
وقال الصلاح الصفدي : الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ الفريد الرحلة ، إمام المحدثين..خاتمة الحفاظ ، ناقد الأسانيد والالفاظ". وقال : كان شيخنا الحجة جمال الدين أبو الحجاج شيخ الزمان ، وحافظ العصر ، وناقد الاوان ، لو عاصره ابن ماكولا ، كان له مشروبا وماكولا ، وجعل هذا الامر إليه موكولا".ثم أطنب في تعداد فضائله ومحاسنه وزهده وقال في حفظه : وسمعت صحيح مسلم على ذالبندنيجي وهو حاصر بقراءة ابن طغريل وعدة نسخ صحيحة حاضرة يقابل بها ، فيرد الشيخ جمال الدين رحمه الله على ابن طغريل اللفظ ، فيقول ابن طغريل : ما في النسخة إلا ما قرأه ، فيقول من بيده بعض
__________
(1) يعني المنذري صاحب الترغيب والترهيب ، والتكملة لوفيات النقلة الذي حققته ويطبع الآن الطبعة الثانية المنقحة في مؤسسة الرسالة.
(2) أعيان العصر : 12 / الورقة : 125.
(3) وفيات سنة 643 (أيا صوفيا : 3014) ، وفي مثل هذا انظر أيضا الاوراق : 111 ، 161 ، 162 من مجلد أيا صوفيا 3014.
(4) الذيل على ذيل العبر : 230 229.

(1/33)


تلك النسخ الصحيحة : هو عندي كما قال الشيخ..أو في الحاشية تصحيح ذلك ، ولما تكرر ذلك قلت أنا له : ما النسخة الصحيحة إلا أنت !" (1).
وقال التاج عبد الوهاب السبكي مع مخالفة المزي له في العقائد : شيخنا وأستاذنا وقدوتنا الشيخ جمال الدين أبو الحجاج المزي ، حافظ زماننا ، حامل راية السنة والجماعة والقائم بأعباء هذه الصناعة ، والمتدرع جلباب الطاعة ، إمام الحفاظ ، كلمة لا يجحدونها ، وشهادة على أنفسهم يؤدونها ، ورتبة لو نشر أكابر الأعداء ، لكانوا يودونها ، واحد عصره بالاجماع ، وشيخ زمانه الذي تصغي لما يقول الاسماع (2)".ثم أورد طائفة من مناقبه وفضائله ، وثناء العلماء عليه ، ولاسيما والده التقي السبكي ، ثم قال : وبالجملة كان شيخنا المزي أعجوبة زمانه ، يقرأ عليه القارئ نهارا كاملا ، والطرق تضطرب والأسانيد تختلف وضبط الأسماء يشكل ، وهو لا يسهو ولا يغفل ، يبين وجه الاختلاف ، ويوضح ضبط المشكل ، ويعين المبهم ، يقظ لا يغفل عند الاحتياج إليه ، ولقد شاهدته الطلبة ينعس ، فإذا أخطأ القارئ ، رد عليه كأن شخصا أيقظه ، قال له : قال هذا القارئ كيت وكيت ، هل هو صحيح ؟ وهذا من عجائب الامور.وكان قد انتهت إليه رئاسة المحدثين في الدنيا." (3).
وفاته
انتاب المزي المرض في أوائل صفر من سنة (742) أياما يسيرة ، وكان مرضه في أوله خفيفا لم يشغله عن شهود الجماعة ، وحضور الدروس ، وإسماع الحديث ، وقد وصلت إلينا طبقة سماع
__________
(1) أعيان العصر : 22 / الورقة : 127 123.
(2) الطبقات : 10 / 396 395.
(3) المصدر نفسه : 10 / 397.

(1/34)


الجزء الثالث من"تهذيب الكمال"عليه لجملة من الفضلاء في يوم الخميس العاشر من صفر (1) ، فلما كان يوم الجمعة حادي عشره أسمع الحديث إلى قريب وقت الصلاة ، ثم دخل منزله ليتوضأ ، ويذهب للصلاة ، فاعترضه في باطنه مغص عظيم ، ظن أنه قولنج ، وما كان إلا طاعون ، فلم يقدر على حضور الصلاة ، قال صهره ابن كثير : فلما فرغنا من الصلاة ، أخبرت بأنه منقطع ، فذهبت إليه.فدخلت عليه ، فإذا هو يرتعد رعدة شديدة من قوة الالم الذي هو فيه ، فسألته عن حاله ، فجعل يكرر"الحمدلله"ثم أخبرني بما حصل له من المرض الشديد ، وصلى الظهر بنفسه ، ودخل إلى الطهارة ، وتوضأ على البركة وهو في قوة الوجع ، ثم اتصل به هذا الحال إلى الغد من يوم السبت ، فلما كان وقت الظهر لم أكن حاضره إذ ذاك ، لكن أخبرتنا بنته زينب زوجتي أنه لما أذن الظهر ، تغير ذهنه قليلا ، فقالت : يا أبة أذن الظهر ، فذكر الله ، وقال : أريد أن أصلي ، فتيمم وصلى ، ثم اضطجع فجعل يقرأ آية الكرسي حتى جعل لا يفيض بها لسانه ، ثم قبضت روحه بين الصلاتين رحمه الله يوم السبت ثاني عشر صفر ، فلم يمكن تجهيزه تلك الليله ، فلما كان من الغد يوم الاحد ثالث عشر صفر صبيحة ذلك اليوم ، غسل وكفن وصلي عليه بالجامع الأموي ، وحضر القضاة والاعيان وخلائق لا يحصون كثرة ، وخرج بجنازته من باب النصر ، وخرج نائب السلطنة الامير علاء الدين ألطنبغا (2) ومعه ديوان السلطان ، والصاحب ، وكاتب السر وغيرهم من الامراء ، فصلوا عليه خارج باب النصر ، أمهم عليه القاضي تقي الدين السبكي الشافعي ، وهو الذي صلى عليه بالجامع الأموي ، ثم ذهب به إلى مقابر الصوفية ،
__________
(1) نسخة دار الكتب المصرية : 25 مصطلح الحديث ، المجلد الاول : اللوحة : 65 من نسختي المصورة وانظر أيضا أدناه صورتها المنشورة مع النماذج.
(2) في الاصل : طنبغا"محرف ، والتصحيح من مصادر ترجمته في كتب القرن الثامن ومنها الدرر لابن حجر : 1 / 436 وكان قد ولي نيابة دمشق في محرم سنة 741.

(1/35)


فدفن هناك إلى جانب زوجته المرأة الصالحة الحافظة لكتاب الله ، عائشة بنت إبراهيم بن صديق غربي قبر الشيخ تقي الدين ابن تيمية" (1).
وكانت زوجته عائشة قد توفيت قبله بتسعة أشهر تقريبا في مستهل جمادى الاولى سنة (741) ، وكانت عديمة النظير في نساء زمانها لكثرة عبادتها وتلاوتها وإقرائها القرآن الكريم بفصاحة وبلاغة وأداء صحيح ، وختمت نساءا كثيرات ، وقرأ عليها من النساء خلق ، وانتفعن بها وبصلاحها ودينها وزهدها في الدنيا ، وتقللها منها مع طول العمر حيث بلغت ثمانين سنه ، وكان المزي محسنا إليها مطيعا لا يكاد يخالفها لحبه لها طبعا وشرعا (2).وكانت والدة أمة الرحيم زينب زوج العلامه ابن كثير رحمهم الله.
وقد عني المزي بأهل بيته ، فكان يحضرهم مجالس السماع لا يستثني من ذلك حتى الجواري (3) ، واشتهر من أولاده عبد الرحمن ابن يوسف الذي ولد له سنة (687) وتوفي بالطاعون العام سنة (749) وكان شيخا لشرف الدين الحسيني (4).وولي مشيخة دار الحديث النورية ، ودفن بمقابر الصوفية على والده (5).
__________
(1) البداية 14 / 192 ، وقد جمع تلميذه الحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي جزءا سماه سلوان التعزي عن الحافظ المزي. ابن حجر الدرر 5 / 237.
(2) البداية : 14 / / 72 ، 189.
(3) كما هو مثبت في خطه في كثير من أجزاء تهذيب الكمال انظر أدناه نموذجا من ذلك.
(4) البداية : 14 / 227.

(1/36)


الفصل الثاني
تهذيب الكمال في أسماء الرجال
منهجه وأهميته
توطئة : عني العلماء منذ فترة مبكرة بتأليف الكتب التي تتناول رواة الحديث للافادة منها في بيان صحيح الحديث من سقيمه.وحينما وضعت الكتب الستة في الحديث وهي : صحيح البخاري ، وصحيح مسلم ، وجامع الترمذي ، وسنن النسائي ، وسنن أبي داود ، وسنن ابن ماجة القزويني ، عدها جهابذة المحدثين دواوين الاسلام فعنوا بها وبروايتها وتدقيقها ، فاشتهرت في بلاد الاسلام ، وذاع صيتها بين الانام. ونتيجة لذلك ألفوا الكتب المعنية بتناول الرجال الواردين في أسانيدها منذ القرن الرابع الهجري.
ابن عساكر أول من ألف في شيوخ أصحاب الكتب الستة.
ولكن أحدا لم يجمع شيوخ أصحاب الستة على ما حققناه قبل حافظ الشام أبي القاسم ابن عساكر (571 499) (1) في كتابه المختصر النافع"المعجم المشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النبل (2)"الذي ألفه بعد كتابه "الاطراف" وسار فيه على المنهج الآتي :
1- اقتصر فيه على شيوخ أصحاب الستة دون الرواة الآخرين.
__________
(1) راجع عن ابن عساكر بحثنا : ابن عساكر : أخذ وعطاء"مجلة التراث العربي ، السنة الاولى ، العدد الاول ، ص : 17 فما بعد.
(2) نسختي المصورة عن النسخة المحفوظة في مكتبة الاوقاف العراقية ، وعندي نسخة محققة غير منشورة منه. وما ذكرناه عن منهجه متأت عن دراستنا للكتاب نفسه.

(1/37)


2- رتب الكتاب على حروف المعجم المشرقية ، وابتدأ كتابه بمن اسمه"أحمد.
3- أورد التراجم على سبيل الاختصار فذكر اسم المترجم ونسبته ، ثم من روى عنه من أصحاب الكتب الستة ، ثم توثيقه ، وأتبع ذلك بتاريخ وفاته إن وقع له.وأشار في نهاية الترجمة فيما إذا وقع له من حديثه ما كان موافقة أو بدلا عاليا ونحو ذلك من رتب العلو في الرواية.
4- ومن أجل التخفيف على النساخ استعمل لاصحاب الستة علامات تدل عليهم ، وهي : (خ) للبخاري و(م) لمسلم ، و(د) لابي داود ، و(ت) للترمذي ، و(ن) للنسائي ، و(ق) لابن ماجة القزويني. الكمال في أسماء الرجال.
ثم جاء الحافظ الكبير أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الجماعيلي الحنبلي (600 544) (1) فألف كتابه"الكمال في أسماء الرجال"وتناول فيه رجال الكتب الستة.
وإذا كان الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أول من ألف في شيوخ أصحاب الكتب الستة ، فإن الحافظ عبد الغني أول من ألف في رواة الكتب الستة حيث لم يقتصر على شيوخهم بل تناول جميع الرواة المذكورين في هذه الكتب من الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى شيوخ أصحاب الكتب الستة.
أما نطاق الكتاب ومنهجه فيمكن تلخيصه بما يأتي :
1- اجتهد أن يستوعب جميع رجال هذه الكتب غاية الامكان ، لكنه قال : غير أنه لا يمكن دعوى الاحاطة بجميع ما فيها ، لاختلاف
__________
(1) التقييد لابن نقطة ، الورقة : 158 ، والذيل لابن الدبيثي ، الورقة :179(مجلد باريس 5922) ، والتكملة للمنذري ، الترجمة : 778 وتعليقنا عليها.

(1/38)


النسخ ، وقد يشذ عن الانسان بعد إمعان النظر وكثرة التتبع ما لا يدخل في وسعه" (1).
2- بين أحوال هؤلاء الرجال حسب طاقته ومبلغ جهده ، وحذف
كثيرا من الاقوال والأسانيد طلبا للاختصار"إذ لو استوعبنا ذلك ، لكان الكتاب من جملة التواريخ الكبار" (2).
3- استعمل عبارات دالة على وجود الرجل في الكتب الستة أو في بعضها ، فكان يقول"روى له الجماعة"إذا كان في الكتب الستة ، ونحو قوله : اتفقا عليه"أو"متفق عليه"إذا كان الراوي ممن اتفق على إخراج حديثه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"وأما الباقي فسماه تسمية.
4- ابتدأ كتابه بترجمة قصيرة للرسول صلى الله عليه وسلم أخذها بسنده من كتاب"السيرة"لابن هشام استغرقت صفحة واحدة فقط ، وقال في نهايتها"وقد أفردنا لاحواله صلى الله عليه وسلم مختصرا لا يستغني طالب الحديث ولا غيره من المسلمين عن مثله".وأتبع ذلك بفصل من أقوال الأئمة في أحوال الرواة والنقلة ، أورده بالأسانيد المتصلة إليه استغرق ثمان أوراق (3).
5- أفرد الصحابة عن باقي الرواة ، فجعلهم في أول الكتاب ، وبدأهم بالعشرة المشهود لهم بالجنة ، فكان أولهم الصديق أبو بكر رضي الله عنهم ، وأفرد الرجال عن النساء ، فأورد الرجال أولا ، ثم أتبعهم بالنساء ، ورتب الرواة الباقين على حروف المعجم ، وبدأهم بالمحمدين لشرف هذا الاسم.
وقد امتدحه العلماء ، وأثنوا عليه ، فقال ياقوت الحموي (ت
6) : جوده جدا (4)". وقال الحافظ المزي : وهو كتاب نفيس ،
__________
(1) مقدمة الكمال (نسخة خدابخش).
(2) نفسه.
(3) الكمال : 1 / الورقة : 11 2.
(4) معجم البلدان : 2 / 113.

(1/39)


كثير الفائدة ، لكن لم يصرف مصنفه رحمه الله عنايته إليه حق صرفها
ولا استقصى الأسماء التي استملت عليها هذه الكتب استقصاءا تاما ، ولا تتبع جميع تراجم الأسماء التي ذكرها في كتابه تتبعا شافيا ، فحصل في كتابه بسبب ذلك إغفال وإخلال (1).
محاولة فاشلة على "الكمال" قبل المزي :
وأشار المزي في مقدمة التهذيب إلى أن أحد أولاد الحافظ عبد الغني"ممن لم يبلغ في العلم مبلغه ، ولا نال في الحفظ درجته ، رام تهذيب كتابه وترتيبه واختصاره واستدراك بعض ما فاته من الأسماء"فلم ينجح في ذلك ، ولم يزد سوى بعض تراجم أخذها من أسماء كتاب "الاطراف" لابي القاسم ابن عساكر ، وبعض أسماء التابعين من ذلك الكتاب أيضا ، ثم أضاف إليهم بعض شيوخ أصحاب الستة من كتاب"المعجم المشتمل"لابن عساكر أيضا ، ولم يزد في عامة ذلك على ما ذكره ابن عساكر ، فضلا عن وقوع خلل كثير ووهم شنيع فيما اختصره من كتاب والده (2).
ولم يصرح المزي باسم هذا"الولد"ولا أشار أحد غيره إليه فيما وقفت عليه من مصادر ، لكنني وقعت على ثلاثة أولاد للحافظ عبد الغني ممن عني بالحديث وطلبه وروايته ، وهم :
1- عز الدين أبو الفتوح محمد بن عبد الغني (613 566) وهو ممن دخل بغداد غير مرة ، وسمع بها ، كما سمع بدمشق وأصبهان (3).
2- جمال الدين أبو موسى عبد الله بن عبد الغني (581
__________
(1) مقدمة التهذيب.
(2) المصدر نفسه.
(3) الذيل لابن الدبيثي ، الورقة : 73 (مجلد باريس 5922) ، والتكملة للمنذري ، الترجمة : 1501 ،والذيل لابي شامة : 99 ، وتلخيص مجمع الآداب لابن الفوطي : 4 / الترجمة : 436 ، وتذكرة الحفاظ : 4 / 1401 ، وتاريخ الاسلام ، الورقة : 204 (باريس 1582) ، والذيل لابن رجب : 2 / 92 90 وغيرها.

(1/40)


629). سمع بدمشق وبغداد وأصبهان ومصر ، وحدث بدمشق ومصر وغيرهما ، فتكلم فيه بعضهم بسبب تقربه من السلطان (1).
3- محيي الدين أبو سليمان عبد الرحمن بن عبد الغني (583 أو 584 ، 643). سمع بدمشق وبغداد ومصر ، وحدث ، وكان فقيها زاهدا (2).
ومن دراسة سير أولاده الثلاثة هؤلاء دراسة مستفيضة في جميع الموارد التي ترجمت لهم لم أجد أحدا ذكر هذا"المختصر"أو"التهذيب"الذي عمله لكتاب والده ، ولكنني في الوقت نفسه أرجح أن يكون المقصود بهذا هو عز الدين أبا الفتح محمد بن عبد الغني ، لان الذين ترجموا له ذكروا له عناية بهذا الفن ، أعني رجال الحديث ، قال محدث بغداد الحافظ ابن النجار (ت 643) : وكان من أئمة المسلمين حافظا للحديث متنا وإسنادا ، عارفا بمعانيه وغريبه ومشكله ، متقنا لاسامي المحدثين وكناهم ، ومقدار أعمارهم ، وما قيل فيهم من جرح وتعديل ، ومعرفة أنسابهم واختلاف أسمائهم (3)"ولم يذكروا لغيره مثل هذه المعرفة.
التهذيب ليس مختصرا للكمال
درس الحافظ جمال الدين المزي كتاب "الكمال" للحافظ عبد الغني ، فوجد فيه نقصا وإخلالا وإغفالا لكثير من الأسماء التي هي من
__________
(1) مرآة الزمان للسبط : 8 / 675 ، والتكملة للمنذري ، الترجمة : 2416 ، والذيل لابي شامة : 161 ، وتاريخ الاسلام للذهبي ، الورقة : 79 (أيا صوفيا : 3012) ، وتذكرة الحفاظ : 4 / 1408 ونثر الجمان للفيومي : 2 / الورقة : 43 ، والذيل لابن رجب : 2 / 187 185 ، وذيل التقييد للتقي الفاسي ، الورقة : 173 وغيرها.
(2) صلة التكملة للعز الحسيني : 1 / الورقة : 25 من نسختي المصورة ، وتاريخ الاسلام في وفيات : 643 (أيا صوفيا : 3013) ، والذيل لابن رجب : 2 / 231.
(3) لم تصل إلينا ترجمته في تاريخ ابن النجار لضياع هذا القسم منه ، ولكن قوله هذا نقله الذهبي في تاريخ الاسلام ، وهو في هامش التي بخطه ، الورقة : 117 (أيا صوفيا : 3011) ، والذيل لابن رجب : 2 / 91 وغيرهما.

(1/41)


شرطه بلغت مئات عديدة ، وقرر تأليف كتاب جديد يستند في أسسه على كتاب "الكمال" وسماه"تهذيب الكمال في أسماء الرجال". والظاهر أنه اشتغل بمادة الكتاب منذ فترة مبكرة ، فقد أشار الذهبي في مقدمة كتابه"تاريخ الاسلام"إلى أنه طالع مسودة كتاب"التهذيب"قبل قيامه بتأليف كتابه ، ثم طالع المبيضة كلها (1). وقد بدأ المزي يضع كتابه بصيغته النهائية المبيضة في اليوم التاسع من محرم سنة (705) ولم ينته منه إلا يوم عيد الاضحى من سنة (712) (2) ، وبذلك يكون قد قضى في تبييضه وإعادة النظر فيه ثمانية أعوام إلا شهرا.
وقد ظن بعضهم غلطا أن الحافظ المزي إنما اختصر كتاب "الكمال" لعبد الغني حينما ألف كتابه"تهذيب الكمال" (3) ، وكأنهم ربطوا بين كلمتي"الاختصار"و"التهذيب"مع أن الاخيرة تدل في الاغلب على التنقية والاصلاح (4). والحق أن المزي قد تجاوز كتاب "الكمال" في كتابه هذا تجاوزا أصبح معه التناسب بينهما أمرا بعيدا ، سواء أكان ذلك في المحتوى ، أم التنظيم ، أم الحجم ، وإليك بيان ذلك على وجه الاختصار :
__________
(1) انظر مقدمة تاريخ الاسلام ، وقد ابتدأ الذهبي كتابه قبل بدء المزي بإخراج كتابه بصيغته النهائية ، راجع كتابنا : الذهبي : 24 فما بعد.
(2) نص المؤلف على ذلك في آخر كتابه ، ولعل من أبرز الادلة على أن هذه كانت المبيضة.
1- عدم وجود إضافات ذات بال في حواشي الاصل.
2- أن المؤلف لم يعد النظر في أية مسألة من مسائله طوال ثلاثين عاما مع أنه حدث به خمس مرات.
3- أن ابن المهندس كان ينقل نسخته الاولى حينما ينتهي المؤلف من تبييض قسم منها ، وهذا هو الذي يفسر لنا ما يبدو متناقضا لاول وهلة بين ما ذكره المؤلف في ابتداء تأليفه الكتاب وانتهائه منه وبين ما وجدناه بخط ابن المهندس من أنه نسخ المجلد الاول سنة 706.
(3) انظر مثلا مقدمة خلاصة تذهيب تهذيب الكمال للشيخ عبد الفتاح أبي غدة : 6.
(4) راجع"هذب"في معجمات اللغة.

(1/42)


تفضيل التهذيب على الكمال في المحتوى
أولا اقتصر كتاب "الكمال" على رواة الكتب الستة ، فاستدرك المزي ما فات المؤلف من رواة هذه الكتب أولا ، وهم كثرة ، ودقق في الذين ذكرهم ، فحذف بعض من هو ليس من شرطه ، وهم قلة ، ثم أضاف إلى كتابه الرواة الواردين في بعض ما اختاره من مؤلفات أصحاب الكتب الستة ، وهي :
للبخاري :
1- كتاب القراءة خلف الإمام.
2- كتاب رفع اليدين في الصلاة.
3- كتاب الادب المفرد.
4- كتاب خلق أفعال العباد.
5- ما استشهد به في الصحيح تعليقا.
ولمسلم :
6- مقدمة كتابه الصحيح.
ولابي داود :
7- كتاب المراسيل.
8- كتاب الرد على أهل القدر.
9- كتاب الناسخ والمنسوخ.
10- كتاب التفرد (وهو ما تفرد به أهل الامصار من السنن).
11- كتاب فضائل الانصار.
12- كتاب مسائل الإمام أحمد (وهي المسائل التي سأل عنها أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل).
13- كتاب مسند حديث مالك بن أنس.

(1/43)


وللترمذي :
14- كتاب الشمائل.
وللنسائي :
15- كتاب عمل يوم وليلة.
16- كتاب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
17- كتاب مسند علي رضي الله عنه.
18- كتاب مسند حديث مالك بن أنس.
ولابن ماجة القزويني
19- كتاب التفسير.
وبذلك زاد في تراجم الاصل أكثر من ألف وسبع مئة ترجمة.
ثانيا : وذكر جملة من التراجم للتمييز ، وهي تراجم تتفق مع تراجم الكتاب في الاسم والطبقة ، لكن أصحابها لم يكونوا من رجال أصحاب الكتب الستة.
ثالثا : أضاف المزي إلى معظم تراجم الاصل مادة تاريخية جديدة في شيوخ صاحب الترجمة ، والرواة عنه ، وما قيل فيه من جرح أو تعديل أو توثيق ، وتاريخ مولده أو وفاته ، ونحو ذلك ، فتوسعت معظم التراجم توسعا كبيرا.
رابعا : وأضاف المزي بعد كل هذا أربعة فصول مهمة في آخر كتابه لم يذكر صاحب "الكمال" منها شيئا وهي :
1- فصل فيمن اشتهر بالنسبة إلى ابيه أو جده أو أمه أو عمه أو نحو ذلك.
2- فصل فيمن اشتهر بالنسبة إلى قبيلة أو بلدة أو صناعة أو نحو ذلك.

(1/44)


3- فصل فيمن اشتهر بلقب أو نحوه.
4- فصل في المبهمات.
وهذه الفصول تيسر الانتفاع بالكتاب تيسيرا عظيما في تسهيل الكشف على التراجم الاصلية ، فضلا عن إيراد بعضهم مفردا في هذه الفصول.
خامسا : رجع المزي إلى كثير من الموارد الاصلية التي لم يرجع إليها صاحب "الكمال" يعرف ذلك كل من يلقي نظرة على الكتابين ، وكان لا بد للمزي أن يفعل ذلك بعد توسيعه لمادة الكتاب كل هذا التوسيع ، فلم يكن ذلك ممكنا إلا بزيادة الموارد المعتمدة.
سادسا : هذا فضلا عن زيادة التدقيق والتحقيق وبيان الأوهام ومواطن الخلل في كل المادة التاريخية التي ذكرها عبد الغني في "الكمال" ، فوضح سقيمها ، ووثق ما اطمأن إليه ، فأورده في كتابه الجديد.
التهذيب ثلاثة أضعاف الكمال
لقد أدت كل هذه الاضافات الاساسية إلى تضخم الكتاب تضخما كبيرا ، فصار ثلاثة أضعاف "الكمال" تقريبا ، وأصتبح يتكون من مئتين وخمسين جزءا حديثيا ، فإذا علمنا أن الجزء الحديثي الذي كتبه المؤلف المزي بخطه يتكون من عشرين ورقة (أربعين صفحة) عرفنا أن المزي وضع كتابه في عشرة آلاف صفحة ، في كل صفحة 21 سطرا ، فضلا عما كتبه المؤلف من تحقيقات في حواشي نسخته.
تفضيل التهذيب على الكمال في التنظيم
نظم المزي كتابه تنظيما جديدا سواء أكان ذلك في هيكله العام أم في مادة كل ترجمة من التراجم ، وابتدع أمورا تنظيمية في بعض

(1/45)


المواضع لم يسبق إليها من قبل ، فوضع بذلك أساسا لكثير من الكتب اللاحقة ، وإليك مجمل ذلك على وجه الاختصار :
أولا : كان صاحب الكمال قد أفرد الصحابة عن باقي المترجمين فذكرهم في أول كتابه ، وذكر الرجال منهم ثم النساء ثم اتبعهم بمن بعدهم. أما المزي قد ذكر الجميع على نسق واحد ، وابتدأ بالرجال منهم ، فوضع الصحابة في مواضعهم من التراجم ، ورتب الجميع على حروف المعجم المشرقية في أسمائهم وأسماء آبائهم وأجدادهم ، لكنه بدأ في حرف الالف بالأحمدين ، وفي حرف الميم بالمحمدين لشرف هذين الاسمين ، وهي سنة اتبعها كثير من المؤلفين في الرجال والتراجم قبله. ثم رتب في نهاية الأسماء فصول الكنى والانساب والالقاب والمبهمات على حروف المعجم أيضا. وجعل النساء في آخر كتابه ورتبهم على الترتيب المذكور في الأسماء والكنى والانساب والالقاب والمبهمات. وقد ذكر المزي في مقدمته سبب خلطه الصحابة بغيرهم من المترجمين خلافا لصاحب "الكمال" فقال : لان الصحابي ربما روى عن صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيظنه من لا خبرة له تابعيا فيطلبه في أسماء التابعين فلا يجده ، وربما روى التابعي حديثا مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيظنه من لا خبرة لا صحابيا ، فيطلبه في أسماء الصحابة فلا يجده ، وربما تكرر ذكر الصحابي في أسماء الصحابة وفيمن بعدهم ، وربما ذكر الصحابي الراوي عن غير النبي صلى الله عليه وسلم في غير الصحابة ، وربما ذكر التابعي المرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحابة ، فإذا ذكر الجميع على نسق واحد ، زال ذلك المحذور وذكر في ترجمة كل إنسان منهم ما يكشف عن حاله إن كان صحابيا أو غير صحابي.
ثانيا : وعمل المزي إحالات للاسماء الواردة في كتابه بحسب شهرته أو وروده في كتب الحديث ، وجعل كثيرا من هذه الاحالات في

(1/46)


صلب كتابه ، كما أفاد من فصول الكنى والانساب والالقاب والمبهمات في عمل الاحالات ، وهي فهارس قلما نجدها في عصرنا الحديث هذا لصعوبتها ، فسهل بذلك على الناظرين في كتابه والمستفيدين منه.
ثالثا : ثم فرق المزي الأسماء التي أضافها إلى تراجم "الكمال" بعلامة تفرزها ، فكتب الاسم واسم الاب ، أو ما يجري مجراه باللون الاحمر, واقتصر في تراجم الاصل على كتابة الاسم الاول حسب باللون الاحمر.
رابعا : وأعاد المزي تنظيم الترجمة الواحدة ولا سيما شيوخ المترجم والرواة عنه بعد أن زاد فيهم زيادة كبيرة فاقت الاصل في معظم الاحيان عدة مرات. فنظم شيوخ المترجم على حروف المعجم على نحو ترتيب الأسماء في الاصل ، ورتب الرواه عنه على ذلك النحو أيضا ، فسهل للمطالع العجل الوقوف على بغيته ، وما أظن أحدا سبقه إلى هذا الابتداع المفيد في حين قبله الكثير ممن جاء بعده ، فساروا على نهجه.
خامسا : وجعل المزي لكل مصنف علامة مختصرة تدل عليه ، وهي سبع وعشرون علامة ، منها ست علامات للاصول الستة ، وعلامة لما اتفق عليه الستة ، وعلامة لما اتفق عليه أصحاب السنن الأربعة ، وتسع عشرة علامة لمؤلفات أصحاب الستة الاخرى بينها في مقدمته. وقد كتب هذه العلامات فوق كل اسم من أسماء المترجمين وجعلها باللون الأسود بسبب كتابته الاسم باللون الاحمر ، وبذلك يستطيع الناظر إلى الترجمة معرفة من أخرج له من هؤلاء الأئمة ، وفي أي كتاب من هذه الكتب أخرجوا له عند أول نظرة تقع على اسم المترجم. ولم يكتف بتلك الرموز ، بل نص على معانيها نصا صريحا عند انقضاء

(1/47)


الترجمة أو قبل ذلك على حسب ما تقتضيه الحال دفعا لاي التباس.
وزاد الحافظ المزي في التدقيق ، فوضع رقوما (علامات) ، كما ذكرنا سابقا ، فوق كثير من أسماء شيوخ صاحب الترجمة ، أو الرواة عنه باللون الاحمر ليعرف الناظر إليها في أي كتاب من تلك الكتب وقعت روايته عن ذلك الاسم المرقوم عليه ، ورواية ذلك الاسم المرقوم عليه عنه ، ثم ذكر بعد ذلك في تراجمهم روايتهم عنه أو روايته عنهم ، وبذلك صارت كل ترجمة من تراجم الكتاب شاهدة للاخرى بالصحة ، والاخرى شاهدة لها بذلك أيضا. ودقق بعد ذلك تدقيقا عظيما ذكره مفصلا في مقدمته.
وهذا عمل من اختراعه وابتداعه ما أظن يستطيع عمله من غير استعانة بأحدث الآلات الحاسبة المحللة في العصر الحديث (الكومبيوتر) ، وهو أمر يكفي وحده لتفصيله على سابقيه ولاحقيه.
عظمة تهذيب الكمال
من أجل كل هذا الذي قدمنا أصبح كتاب"تهذيب الكمال"أعظم كتاب في موضوعه غير مدافع ، قال الصلاح الصفدي (ت 764) : وصنف كتاب تهذيب الكمال في أربعة عشر مجلدا كسف به الكتب المتقدمة في هذا الشأن ، وسارت به الركبان ، واشتهر في حياته (1)". وقال تاج الدين السبكي (ت 1771) : وصنف تهذيب الكمال المجمع على أنه لم يصنف مثله (2)" ، وقال ابن تغري بردي : وهو في غاية الحسن في معناه (3)" ، بل قال العلامة علاء الدين مغلطاي
__________
(1) أعيان العصر : 12 / الورقة : 125 ، وعيون التواريخ لابن شاكر ، الورقة : 59.
(2) الطبقات : 10 / 401.
(3) النجوم الزاهرة : 10 / 77 وقال حاج خليفة : وهو كتاب كبير لم يؤلف مثله ولا يظن أن يتسطاع".

(1/48)


الحنفي (ت 762) بعد أن كتب كل ذلك النقد الطويل عليه إنه : كتاب عظيم الفوائد ، جم الفرائد ، لم يصنف في نوعه مثله..لان مؤلفه أبدع فيما وضع ، ونهج للناس منهجا لم يشرع". وقال أيضا : وقد صار كتاب التهذيب حكما بين طائفتي المحدثين والفقهاء إذا اختلفوا قالوا : بيننا وبينكم كتاب المزي (2)". فانظر إلى هذه المرتبة العظيمة التي وصل إليها كتاب"التهذيب"بعد أن أجمع جهابذة الفن على عظمته وفضله على جميع الكتب التي من بابته.
__________
(1) راجع مقدمة إكمال تهذيب الكمال (نسخة الازهر التي بخطه).

(1/49)


الفصل الثالث
عناية العلماء بتهذيب الكمال
المختصرون والمستدركون
قد بينا فيما سبق أن"التهذيب"أصبح من أعظم الكتب المؤلفة في فنه وأنه فاق جميع المتقدمين المؤلفين في هذا الباب بما تضمنه من سعة في المادة ، وتنظيم دقيق في أساليب العرض فضلا عن التدقيق والتمحيص ، لذلك تناوله جملة من الحفاظ والعلماء المعنيين بهذا الفن استدراكا أو تعقيبا أو تلخيصا ، أو أساسا لكتب أخرى. وعلى العكس من ذلك لم نجد بعد ظهور"التهذيب"من عني بكتاب "الكمال" للحافظ عبد الغني مما يشير إلى أفول نجمه ، وانعدام أهميته ، وإليك من عني بهذا الكتاب منقذ عصر المؤلف على وجه الاختصار :
رافع السلامي"718 668" :
جمال الدين أبو محمد رافع بن أبي محمد هجرس بن شافع السلامي.
ولد في أواخر سنة 668 أو أوائل سنة 669 ، وعني بالحديث والقراءات ، وقرأ ونسخ وسمع (تهذيب الكمال) على مؤلفه وأحضر ولده محمد بن رافع صاحب كتاب (الوفيات) فسمعه معه ، وكان محدثا زاهدا مقرئا صالحا أعاد ببعض المدارس ، وولي عقود الانكحة ، وتوفي في ذي الحجة سنة 718 (1).
__________
(1) انظر الدرر لابن حجر : 2 / 198 ، والمقتفي لتاريخ أبي شامة للبرزالي (وفيات سنة 718) ، وشذرات ابن العماد : 6 / 52 وغيرها.

(1/51)


له كتاب"الكنى المختصر من تهذيب الكمال في أسماء الرجال" :
اختصر فيه القسم الاخير من (تهذيب الكمال) الخاص بالكنى ، وقفنا على نسخة منه بخطه ، قال في أولها : الحمدلله وسلام على عباده الذين اصطفى. هذا كتاب مختصر من كتاب الكنى من تهذيب الكمال في أسماء الرجال ، يشتمل على ذكر المشهورين بالكنى ممن أخرج حديثه الأئمة الستة في كتبهم الستة وغيرها من مصنفاتهم المذكور أسماء رجالها في الكتاب المذكور..ذكرنا ذلك على ترتيب حروف المعجم مبتدئين بالاول فالاول من الحروف ، وسمينا من عرفنا اسمه منهم ، وأشرنا إلى بعض ما وقع في ذلك من الخلاف ، ولم نذكر ممن رووا عنه وروى عنهم في الغالب سوى راو واحد ، وربما ذكرنا الحديث الذي رواه صاحب الترجمة ، ومن كان من الصحابة لم ندكر عمن روى في الغالب ، لان عامة رواية الصحابي إنما هي عن النبي صلى الله عليه وسلم. وما ليس عليه علامة ، فمنهم من فيه خلاف ، ومنهم من فيه إشكال ومنهم من له ذكر في بعض هذه الكتب من غير رواية ، فمن أراد الوقوف على ذلك على طريق الاستقصاء ، فلينظر في الاصل المختصر هذا منه.
وجاء في آخره : فرغ في ليلة التاسع من ذي القعدة سنة سبع وسبع مئة بدرب الملوخية من القاهرة المعزية ، علقه لنفسه رافع بن أبي محمد بن محمد (1)". قال بشار : وهذا يدل على أنه اختصره من المسودة ، وإلا فإن المزي لم يكمل تبييض الكتاب إلا في أواخر سنة (712).
__________
(1) النسخة في (54) ورقة من القطع الصغير ، ومسطرتها : (16) سطرا ، وكتب السلامي الكنى بالحمرة ، وهي من محفوظات مكتبة أيا صوفيا (الملحقة الآن بالسليمانية في استنبول) برقم (3405) ، وفي خزانة كتبي =

(1/52)


الذهبي (748 673)
عني الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي (1) بكتاب"التهذيب"فاستوعب معظم تراجمه في كتابه الحافل"تاريخ الاسلام (2)" ، واختصر من التهذيب أربعة كتب هي :
1- تذهيب التهذيب
وقد حافظ فيه على ترتيب الاصل ، وأضاف إلى مختصره ما رآه
حريا بالاضافة ، وعلق على كثير من تراجم الاصل من حيث الرواية وضبط الأسماء والوفيات وبعض أقوال العلماء في المترجمين (3) ، وكان الانتهاء من الاختصار في سنة 719 واستغرق ثمانية أشهر ، وكما صرح به في آخر النسخة.
وقام صفي الدين أحمد بن عبد الله بن أبي الخير بن عبدالعليم
__________
= نسخة مصورة منها. وفي اثناء رحلتنا إلى استنبول في مطلع سنة (1400) وقلنا على نسخة أخرى وهي غفل من اسم مؤلفها في مكتبة السلطان أحمد الثالث برقم (2947) في مئة ورقة وورقة ومسطرتها (15) سطرا كتبت بخط واضح جلي نفيس كتبها جمال الدين أبو بكر عبد الله بن العلامة علاء الدين مغلطاي بن قليج الحنفي البكجري (791 719 ه) وفرغ منها في آخر يوم الاحد السادس عشر من صفر سنة (743) وعلى النسخة حواش بخط شيخ الاسلام سراج الدين البلقيني.
(1) كتبنا سيرة مفصلة للذهبي في كتابنا : الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الاسلام"المطبوع بالقاهرة سنة 1976 ، ص : 276 1
(2) انظر مقدمة"تاريخ الاسلام.
(3) الصفدي في الوافي : 2 / 164 ونكت الهميان : 243 ، والسبكي في الطبقات : 9 / 104 ، والزركشي في عقود الجمان ، الورقة : 79 ، وابن تغري بردي في المنهل الصافي ، الورقة : 71 ، وسبط ابن حجر في رونق الالفاظ ، الورقة : 180 وكتابنا : الذهبي ، ص : 219. وفي خزانة كتبي نسخة مصورة منه عن نسخة أحمد الثالث باستانبول كتبت في حياة المؤلف سنة 745 وعلى هامشها تصحيحات بخطه. ووقفت على نسخة أخرى منه بدار الكتب المصرية كتبت سنة 731 فيها المجلدات من الاول إلى الثالث (62 مصطلح الحديث) ، ووقفنا في الدار المذكورة على بعض أجزاء متفرقة منه تحمل الرقم (88 مصطلح الحديث). وفي دار الكتب الظاهرية بدمشق المجلدان الثالث والرابع من نسخة تتكون من أربعة مجلدات كتبت سنة 762 (رقم 282 ، 383 تاريخ) ورأينا في سنة 1975 المجلد الاول منه في مكتبة أسعد أفندي باستانبول (رقم 292) ورأينا مجلدا منه ضمن كتب الطلب في المكتبة المذكورة لم يكتب اسم مؤلفه (رقم 2461) وهناك نسخ أخرى ذكرها بروكلمان وغيره.

(1/53)


الخزرجي الأنصاري سنة 923 بتلخيصه بكتابه المعروف"خلاصة تذهيب الكمال في أسماء الرجال (1)" ، وفائدته أنه قيد بعض الأسماء بالحروف.
(2) الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة (2) :
قال الذهبي في مقدمته : هذا مختصر نافع في رجال الكتب الستة : الصحيحين والسنن الأربعة ، مقتضب من تهذيب الكمال لشيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي ، اقتصرت فيه على ذكر من له رواية في الكتب ، دون باقي تلك التواليف التي في "التهذيب" ، ودون من ذكر للتمييز أو كرر للتنبيه.
"وجاء في آخر نسخة التيمورية (رقم 1935 تاريخ) وهي بخط الذهبي : إنه فرغ من اختصاره بعد العصر من يوم الجمعة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة 720.
ذكره الصفدي والبكي والزركشي والعيني وسبط ابن حجر والسخاوي.
وقد مر بنا أن الإمام الذهبي اختصر التهذيب في كتابه"التهذيب" ، وذكر الصفدي (3) والسبكي (4) وابن تغري بردي (5) وابن العماد (6) أن الذهبي اختصر كتاب الكاشف من"التذهيب"وهو وهم منهم ، حيث صرح الذهبي في مقدمته أنه اختصره من الاصل ، أعني من"تهذيب الكمال" ، فضلا عن أن كتاب"الكاشف"اقتصر على
__________
(1) طبع سنة 1301 ه بالقاهرة ثم طبع بعد ذلك سنة 1323 ه وأعيد في سنة 1979 طبعه بالاوفست وكتب له الشيخ عبد الفتاح أبو عدة مقدمة فراجعها.
(2) راجع الكلام عليه مفصلا في كتابي : الذهبي ومنهجه : 230 227.
(3) الوافي : 2 / 164
(4) الطبقات : 9 / 104.
(5) المنهل الصافي ، الورقة : 70
(6) شذرات الذهب : 6 / 155.

(1/54)


رجل الكتب الستة في حين كان"التذهيب"كأصله ، قد شمل رجال الكتب الستة وغيرها من التواليف.
احتل كتاب"الكاشف"مكانة مميزة بين كتب الذهبي ، على الرغم من أنه جاء في عشر الكتاب الاصلي (1) ، بحيث قال فيه التاج السبكي : إنه مجلد نفيس (2). ثم وجدنا العلماء يعنون به ، بل أشار الحافظ ابن حجر في مقدمة"تهذيب التهذيب"إلى أن الناس صاروا يعتمدون"الكاشف"في هذا الفن ، ونتيجة لاهمية كتاب"الكاشف"فقد ذيل عليه واحد من كبار العلماء هو أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي المتوفى سنة (826) وذكر تقي الدين بن فهد هذا الذيل (3) ورأيت أنا نسخة منه (4).
كما أن لابراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي ثم الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي المتوفى سنة (841) حواشي عليه (5). واعتمد على"الكاشف"كثيرا شرف الدين الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي المتوفى سنة (743) حينما ألف كتابه في : أسماء الرجال" (6).
__________
(1) انظر آخر نسخة الخزانة التيمورية (1935 تاريخ).
(2) الطبقات : 9 / 104.
(3) لحظ الالحاظ : 287.
(4) مصورة في خزانة شيخنا المحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحاج صبحي البدري السامرائي نزيل بغداد ، وهي مصورة عن مكتبة فيض الله باستانبول (رقم 1454) في 142 لوحة. وقد أضاف العراقي في هذا الذيل بقية التراجم التي ذكرها المزي في التهذيب ، كما أضاف رجال مسند الإمام أحمد وزيادات ولده عبد الله عليه. وهذا في رأينا تجوز من العراقي رحمه الله لان الذهبي اقتصر على ذكر من له رواية في الكتب الستة فقط وأسقط متعمدا تراجم الدين لهم رواية في تواليف أصحاب الكتب الستة الاخرى ممن ذكرهم المزي في "التهذيب"وإلا فإنه ذكر الجميع في كتابه"تذهيب التهذيب"فما الفرق بينه وبين الكاشف عندئذ ؟ !.
(5) ابن فهد : لحظ الالحاظ : 314.
(6) الطيبي : أسماء الرجال ، الورقة : 47 (نسخة الظاهرية 6164).

(1/55)


3- المجرد من تهذيب الكمال
ذكره السبكي (1) وسبط ابن حجر (2) وحاجي خليفة (3) والبغدادي (4) ، واقتصر فيه على رجال الكتب الستة أيضا دون التواليف الاخرى ، لكنه رتبه على الطبقات فجعله في عشر طبقات ، ثم رتب رجال كل طبقة على حروف المعجم (5).
4- المقتضب من تهذيب الكمال
قال شمس الدين السخاوي : وللذهبي أسماء من أخرج لهم أصحاب الكتب الستة في تواليفهم سواها ممن لم يذكرهم في الكاشف" (6).
فالذي يفهم من نص السخاوي أن الذهبي اختصر كتابا آخر من تهذيب الكمال خاصا بأسماء رجال مؤلفات أصحاب الكتب الستة الاخرى ، لذلك فهو لا علاقة له بكتابي"الكاشف"و"المجرد"اللذين مر ذكرهما. وقد ذكره البغدادي بالعنوان الذي ذكرناه (7).
__________
(1) الطبقات : 9 / 105 وسماه : المجرد في رجال الكتب الستة"
(2) رونق الالفاظ ، الورقة : 180.
(3) كشف الظنون : 2 / 1593
(4) هدية العارفين : 2 / 154.
(5) من الكتاب نسخة بخزانة كتب الفاتيكان (رقم 1032) ، وكانت منه نسخة ببرلين تحمل الرقم 9938. وعثرت على نسخة منه في مكتبة الشهيد علي باشا باستانبول (رقم 523) في مئة ورقة وورقتين ينقص من أولها بعض الاوراق ، وأول ما فيها : أبو معقل الأنصاري الأسدي ، وآخرها آخر طبقة البخاري وباقي شيوخ الأئمة. وقد كتبت هذه النسخة سنة 717 ، وفي حواشيها تعليقات واستدراكات كثيرة ، وقوبلت على نسخة الذهبي في التاريخ المذكور. وصور معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية هذه النسخة وضمها إلى خزانته برقم 576 تاريخ لكنهم لم يعرفوا اسم الكتاب ، فذكروا أنه في "أسماء رجال تهذيب الكمال للمزي"ولا عرفوا مؤلفه لذهاب الورقات الاولى منه فاقتضى لذلك التنبيه (انظر فهرس المخطوطات المصورة لفؤاد سيد : ج 2 ق ، ص : 10).
(6) الاعلان : 601.
(7) هدية العارفين : 2 / 154.

(1/56)


الاندرشي (بعد 750 690)
أبو العباس أحمد بن سعد بن محمد بن أحمد الغساني العسكري الاندرشي الصوفي. قدم المشرق فحج واستوطن دمشق ، وسمع من القاسم ابن عساكر ، ودرس العربية على أثير الدين أبي حيان النحوي ، فبرع في النحو ، وكان زاهدا منجمعا عن الناس (25). ذكره الذهبي في المعجم المختص ، وقال : إنه نسخ"تهذيب الكمال"كله واختصرة (26). وذكر مختصره هذا السيوطي (27) وحاجي خليفة (28). وذكر حاجي خليفة أيضا أن للسيوطي (ت 911) زوائد عليه.
علاء الدين مغلطاي (762 689)
علاء الدين أبو عبد الله مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكجري الحنفي.
ولد بالقاهرة ، وسمع بها جملة من مشايخ عصره ، منهم : التاج أحمد بن دقيق العيد ، والواني ، والختني ، والدبوسي ، وغيرهم ، وتخرج بابن سيد الناس اليعمري. ورحل إلى دمشق ، فسمع بها على شيوخ العصر ، وبرع في الحديث والانساب. وولي التدريس بعدة مدارس بمصر منها المدرسة الظاهرية (29) ، وليها بعد شيخه ابن سيد الناس ، فتحامل الناس عليه بسبب ذلك ، وتكلموا فيه من أجل ادعائه سماع بعض من لا يحتمل سماعه منهم ، وهي مسألة أكثروا الكلام فيها ، والظاهر أن وراءها دوافع أخرى.
__________
(25) ابن رافع : الوفيات ، الورقة : 78.
(26) ابن حجر في الدرر : 1 / 145
(27) بغية الوعاة : 1 / 309.
(28) كشف الظنون : 2 / 1510 وقد جعله حاجي خليفة شخصين ، أحدهما : الاندرشي والآخر : العسكري ، فقال وهو يذكر مختصرات التهذيب : وأبو العباس أحمد بن سعد العسكري المتوفى سنة 750..ومختصر التهذيب للحافظ الاندرشي صاحب العمدة في مختصر الاطراف"وهذا وهم مبين فهما واحد.
(29) وفيات ابن رافع ، الورقة : 93 92 ، والبداية لابن كثير ، 14 / 281 ، والدرر لابن حجر : 5 / 122 ، ولسان الميزان : 6 / 72 ، ولحظ الالحاظ لابن فهد : 139 ، والنجوم لابن تغري بردي : 6 / 197 ، وذيل طبقات الحفاظ للسيوطي : 365.

(1/57)


ويبدو لنا أن علاء الدين مغلطاي صرف جل عنايته لدراسة المؤلفات السابقة ونقدها ، وأولع بالرد والاستدراك عليها ، ساعده على ذلك كثرة اطلاعه ودأبه وتوافر الكتب والمصادر الكثيرة لديه (1) ، فقد
ذيل على"إكمال الاكمال"للحافظ ابن نقطة البغدادي (ت 629) ، و"تكملة إكمال الاكمال"لابي حامد ابن الصابوني (ت 680) ، و"الذيل"على كتاب ابن نقطة الذي ألفه منصور بن سليم الاسكندراني (ت 673) ، كما ذيل على كتاب الضعفاء لابن الجوزي (ت 597) ، ووضع شيئا على"الروض الانف"للسهيلي (ت 581) (2) ، وقال الشهاب ابن رجب : وعدة تصانيفه نحو المئة أو أزيد ، وله مآخذ على أهل اللغة وعلى كثير من المحدثين" (3).
ومن هذا المنطلق عني علاء الدين مغلطاي بالكتابين العظيمين اللذين ألفهما المزي ، وهما : تحفة الاشراف ، وتهذيب الكمال ، فكتب كتابا في "أوهام الاطراف" (4) ثم كتب كتابه العظيم"إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال" (5).
ذكر مغلطاي في مقدمة كتابه أن استدراكه هذا لا ينقص من قيمة كتاب المزي وأهميته ، وقال : ومعتقدي أن لو كان الشيخ حيا لرحب بهذا الاكمال". وذكر عظمة كتاب المزي ومنزلته ، ثم أخذ عليه جملة أمور من أبرزها :
1- ذكره أشياء لا حاجه إليها مثل الأسانيد التي يذكرها من باب العلو أو الموافقات أو نحو ذلك.
__________
(1) الدرر لابن حجر : 5 / 123.
(2) لحظ الالحاظ لابن فهد : 139.
(3) الدرر : 5 / 123.
(4) ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي : 366.
(5) أخذت هذا العنوان من النسخة التي بخط المؤلف وهي مسودته ، وعندي مصورتها.

(1/58)


2- ذكره للترجمة النبوية وأخذه معظم ما ذكره فيها من كتاب أبي عمر بن عبد البر.
3- إيراد بعض أخبار المترجمين مما لا ينفع في بيان أحوالهم في التوثيق أو التجريح.
4- محاولة المزي استيعاب شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه ، مع أن الاحاطة بذلك متعذرة لا سبيل إليها.
5- مسامحة المزي لصاحب "الكمال" في بعض المواضع التي لم يرد عليه فيها.
ونتيجة دراستنا لكتاب مغلطاي يمكننا تلخيص منهجه بما يأتي :
1- ترك نقد المقدمة ، وابتدأ بالأسماء مباشرة.
2- أورد اسم المترجم كما ذكره المزي ، ثم أورد تعليقاته على الترجمة ، وتتكون هذه التعليقات من نقول كثيره عن المصادر السابقة فيها الغث والسمين مما يتفق مع ما ذكره المزي فيؤيده ، أو يختلف عنه ، وقلما ترك ترجمة من غير تعليق.
3- أعاد تدقيق جميع النصوص التي أوردها المزي في كتابه ، وتكلم على أدنى اختلاف فيما نقله ، وهو أمر ليس باليسير ، فكأنه بذلك أعاد تحقيق مادة الكتاب.
4- عني بإيراد المزيد من التوثيق والتجريح ، ورجع إلى مصادر كثيرة جدا ، وعني بذلك عناية فائقة أبانت عن علمه ومعرفته بالكتب ، لكن النتيجة لم تكن لتخرج في الاغلب عما ذكر المزي من حال المترجم له سوى زيادة التوثيق أو التجريح.
5- عني بضبط كثير من الأسماء والانساب ، وأورد ما يوافق

(1/59)


المؤلف وما يخالفه في هذا الباب ، معتمدا في ذلك عددا كبيرا من المصادر.
6- استدرك على المؤلف بعض ما فاته من المترجمين ، وأكثر ما استدرك عليه في "التمييز"وهي الأسماء التي تتفق مع أسماء المترجم لهم في هذا الكتاب ومن أهل عصرهم.
ابتدأ مغلطاي بتأليف مسودة كتابه في منتصف سنة (744) وأطال النفس فيه ، فجاء في حجم كتاب المزي تقريبا في أربعة عشر مجلدا (1).
وقد توهم الكثيرون ، فظنوا أن المزي لم يكمل كتابه ، فأكمله مغلطاي.
دفعهم إلى هذه المقالة ما يوهمه اسم الكتاب وما ذكره حاجي خليفة في "كشف الظنون"وعدم دراستهم للكتابين والله أعلم (2).
إن أغلب المادة التاريخية التي أوردها مغلطاي هي مادة إضافية أعتقد جازما أن المؤلف المزي كان عارفا بأكثرها ، ولكنه لم يوردها من أجل أن لا يطول كتابه. والحق أن المزي قد أشار في مقدمة كتابه على
__________
(1) لحظ الالحاظ لابن فهد : 139. وقال ابن حجر في الدرر : وله ذيل على تهذيب الكمال يكون في قدر الاصل. " (5 / 123) ، وذكر حاجي خليفة أنه في ثلاثة عشر مجلدا (كشف الظنون : 2 / 1510) وراجع الاعلان للسخاوي : 600 وفي خزانة كتبي المجلدان الاول والثاني من المسودة ، يتكون المجلد الاول من عشرة أجزاء حديثية وليس فيه إلا حرف الالف ملئت حواشيها بالاستدراكات. أما المجلد الثاني فهو بحجم المجلد الاول وينتهي بنهاية الجزء العشرين في أثناء حرف الحاء المهملة. وفي مكتبة فيض الله مجلدان منه : مجلد فيه الاجزاء : 88 72 تبدأ بعبد الرحمن بن محمد بن سلام بن ناصح البغدادي ثم الطرسوسي وتنتهي بعمرو بن سعد الفدكي (رقم 1379) ، ومجلد فيه الاجزاء من : 119 102 يبدأ بترجمة محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادي وينتهي بترجمة يحيى بن عثمان بن صالح بن صفوان السهمي المصري (رقم 1378) وهما بخط المؤلف أيضا ، ومنهما مصورتان في معهد المخطوطات (فهرس التاريخ : 60) وراجع الملحق لبروكلمان : 1 / 606 (بالالمانية). وقد حصلت على نسخ مصورة منها. وحصلت أيضا على مجلدات مبيضة وهي المجلدات : من الاول إلى السادس وبعض المجلد السابع.
(2) كشف الظنون : 2 / 1510 ، فهرس المخطوطات المصورة في معهد المخطوطات : ج 2 ق 4 ص : 46.

(1/60)


من يريد زيادة الاطلاع ضرورة مراجعة"طبقات ابن سعد"و"تاريخ ابن أبي خيثمة"و "الثقات" لابن حبان ، و"تاريخ مصر"لابن يونس ، و"تاريخ نيسابور"للحاكم ، و"تاريخ أصبهان"لابي نعيم باعتبارها أمهات الكتب المصنفة في هذا الفن (1). وقد نقل مغلطاي من هذه الكتب وأمثالها كثيرا مما استدرك به على المزي ، لذلك قال زين الدين ابن رجب : وغالب ذلك لا يرد على المزي" (2). ومع ذلك فإن إضافته من هذه الكتب ومن عشرات غيرها نقلت إلينا ثروة تاريخية كادت تضيع لولا ما نقل هو وأمثاله ، بسبب ضياع كثير من أصولها.
وحين انتهى مغلطاي من استدراكه هذا اختصره في مجلدين مقتصرا فيه على المواضع التي ظن أن الحافظ المزي غلط فيها ، قال ابن حجر : واختصره مقتصرا على الاعتراضات على المزي في نحو مجلدين" (3) وقال ابن فهد المكي ، وهو يعدد بعض كتب مغلطاي : وكتاب ذيل به على تهذيب الكمال للمزي وفيه فوائد ، غير أن فيه تعصبا كثيرا في أربعة عشر مجلدا ثم اختصره في مجلدين مقتصرا فيه
على المواضع التي زعم أن الحافظ المزي غلط فيها ، وأكثر ما غلطه فيه لا يرد عليه ، وفي بعضه كان الغلط منه هو فيها" (4) ، وسمى السيوطي هذا المختصر"أوهام التهذيب" (5). ثم ذكر ابن حجر وابن فهد أنه اختصر المختصر في مجلد لطيف (6).
ويبدو لنا أن الكتاب قد اشتهر منذ فترة مبكرة ، وأثار جدلا عند المعنيين بهذا الفن ، فقد حمل التاج السبكي بعضا مما ظنه الحافظ
__________
(1) انظر مقدمة تهذيب الكمال.
(2) الدرر لابن حجر : 5 / 123.
(3) نفسه.
(4) لحظ الالحاظ : 139.
(5) ذيل طبقات الحفاظ : 366.
(6) الدرر : 5 / 123 ، ولحظ الالحاظ : 139.

(1/61)


مغلطاي وهما من المزي من القاهرة إلى دمشق ، وأعطاه لوالده ليتثبت منه ، قال : وهذه مواقف استدركها بعض محدثي العصر بديار مصر ، وهو الشيخ علاء الدين مغلطاي شيخ الحديث بالمدرسة الظاهرية بالقاهرة ، وانتقاها مما استدركه على كتاب تهذيب الكمال لشيخنا المزي ، وحضرت معي إلى دمشق لما جئت من القاهرة في سنة أربع وخمسين وسبع مئة لاسأل عنها الشيخ الإمام الوالد ، فأجاب عنها رحمه الله ، وقد كتبتها من خطه ، قال رحمه الله : أسئلة وردت من الديار المصرية مع ولدي عبد الوهاب في الثامن والعشرين من جمادى الاولى سنة أربع وخمسين وسبع مئة.." (1) ثم أورد التاج السبكي الاجوبة (2) وكان قال قبل ذلك في ترجمة والده وهو يعدد مصنفاته : أجوبة سؤالات أرسلت إليه من مصر ، حديثية ، أوردها بعض المشايخ على كتاب تهذيب الكمال للحافظ المزي" (3).
ومهما يكن من أمر ، فإن ما كتبه مغلطاي من نقد وفر مادة تاريخية لجميع الذين جاؤوا بعده ممن عني باختصار"التهذيب"أو الاستدراك عليه ولاسيما سراج الدين ابن الملقن"ت 804"في إكماله ، والحافظ ابن حجر في مختصراته ولاسيما"تهذيب التهذيب"فإنه لم يستطع إلا أن يقول في مقدمته : وقد انتفعت في هذا الكتاب المختصر بالكتاب الذي جمعه الإمام العلامة علاء الدين مغلطاي على تهذيب الكمال مع عدم تقليدي له في شيء مما ينقله ، وإنما استعنت به في العاجل ، وكشفت الاصول التي عزا النقل إليها في الآجل ، فما وافق أثبته. وما باين أهملته ، فلو لم يكن في هذا المختصر إلا الجمع بين هذين الكتابين الكبيرين في حجم لطيف ، لكان معنى مقصودا" (4).
__________
(1) الطبقات : 10 / 408.
(2) نفسه : 10 / 430 408 وقد أفدنا منها في التعليق على النص.
(3) نفسه : 10 / 314.
(4) تهذيب التهذيب : 1 / 8.

(1/62)


نعم ، كانت لمغلطاي أوهام لاسيما وهو من المكثرين ، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ماذا ؟
شمس الدين الحسيني (675 715)
شمس الدين أبو المحاسن محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحسيني الدمشقي الشافعي. سمع من جماعة من الاعيان منهم المزي والذهبي.
وكان ثقة ثبتا إماما مؤرخا حافظا ، له مؤلفات كثيرة ، وعني بكتاب"تحفة الاشراف"للمزي فاختصره (1).
التذكرة في رجال العشرة :
اختصر فيه"تهذيب الكمال"لشيخه المزي ، وحذف منه من ليس في الكتب الستة ، وأضاف إليهم رجال أربعة كتب هي : الموطأ للامام مالك ، والمسند للامام أحمد (2) ، ومسند الشافعي ، ومسند أبي حنيفة للحارثي.
وذكر في مقدمته سبب إضافته لهذه الكتب الأربعة ، وبين أن ذلك متأت من كون أصحابها هم الأئمة المقتدى بهم ، وأن عمدتهم في استدلالهم لمذاهبهم في الغالب على ما رووه بأسانيدهم في مسانيدهم المذكورة.
ونسخ هذا الكتاب متوفرة في خزائن الكتب ، وذكر العلامة المرحوم خير الدين الزركلي أنه رأى الملجد الثاني منه بخطه (3) ، ووقفت أنا عليه (4).
__________
(1) وفيات ابن رافع ، الورقة : 98 ، والبداية لابن كثير : 14 / 307 ، والدرر لابن حجر : 4 / 179 ، ولحظ الالحاظ لابن فهد : 150 ، ومقدمة ذيول تذكرة الحفاظ ، ومقدمة ذيول العبر لصديقنا المرحوم محمد رشاد عبدالمطلب المصري.
(2) من الجدير بالذكر أن شمس الدين الحسيني قد ألف كتابا مستقلا في رجال مسند الإمام أحمد سماه : الاكمال في ذكر من له رواية في مسند الإمام أحمد من الرجال سوى من ذكر في تهذيب الكمال.
رأيت نسخة مصورة منه عن الجامعة العثمانية بحيدر آباد بالهند في مئة ورقة. وقد يسمى : الامتثال بما في مسند أحمد من الرجال ممن ليس في تهذيب الكمال"والمعنى واحد.
(3) الاعلام : 7 / 178 لكنه جعله كتابين فذكره أولا باسم"التذكرة في رجال العشرة"ثم ذكره ثانية باسم"اختصار تهذيب الكمال" ، وهما واحد.
(4) وانظر أيضا الاعلان للسخاوي : 603 ، وكشف الظنون : 1 / 1510.

(1/63)


عماد الدين ابن كثير (774 701)
عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصروي ثم الدمشقي العلامة الحافظ المحدث صهر الشيخ أبي الحجاج المزي وترجمته مشهورة ، وتصانيفه معروفة مذكورة.
له :
"التكميل في الجرح والتعديل ومعرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل.
جمع فيه بين "تهذيب الكمال"للمزي ، و"ميزان الاعتدال"لشيخه الذهبي ، مع زيادات وتحرير عليهما في الجرح والتعديل. وقفت على نسخة منه بدار الكتب المصرية ، وانتقيت منها بعض الفوائد (1).
ابن بردس البعلبكي (786 720)
عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن محمد بن بردس البعلبكي الحنبلي. ولد ببعلبك ، ودرس على والده ، وأبي الفتح اليونيني ، وسمع جمعا من مسندي عصره ، وحدث عنهم ، واشتهر باختصاره لجملة من الكتب ونظمها (2).
له :
بغية الاريب في اختصار التهذيب :
أكمل مسودته في المحرم سنة (779) وهو اختصار ليس فيه
__________
(1) رقم 24227 ب وهي في مجلدين وانظر أيضا ذيل تذكرة الحفاظ للحسيني : 58 ، والاعلان للسخاوي : 589 ، 600.
(2) لحظ الالحاظ لابن فهد : 167 166 ، والدرر لابن حجر : 1 / 404 ، والتبيان لابن ناصر الدين ،

(1/64)


إضافات تذكر ، ولم يحذف من رجال"التهذيب"أحدا لكنه حذف بعض أنساب المشهورين ، وذكر الجرح والتعديل مختصرا ، كما حذف الأسانيد (1).
ابن الملقن (804 723)
سراج الدين أبو علي عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بابن الملقن ، الإمام الكبير صاحب التصانيف المشهورة. أجازه المزي ، وتخرج بالحافظ علاء الدين مغلطاي ، وكان أكثر أهل عصره تصنيفا (2).
له :
إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال :
اختصر فيه"التهذيب"مع التذييل عليه من رجال ستة كتب هي : مسند الإمام أحمد ، وصحيح ابن خزيمة ، وصحيح ابن حبان ، والمستدرك للحاكم ، والسنن للدارقطني ، والسنن للبيهقي (3).
سبط ابن العجمي (841 753)
برهان الدين أبو الوفاء إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي الاصل ، الحلبي المولد والدار والوفاة ، الشافعي المعروف بسبط ابن العجمي حافظ حلب في زمانه (4).
له :
__________
(1) في خزانة كتبي نسخة مصورة منه في 574 ورقة. ورأيت منه نسخة في الازهر ناقصة الاول في 541 ورقة (رواق المغاربة ، رقم 894).
(2) لحظ الالحاظ لابن فهد : 197 ، الضوء اللامع للسخاوي : 6 / 100 ، وذيل طبقات الحفاظ للسيوطي : 396.
(3) نسخة معروفة وراجع بروكلمان : 1 / 164 (بالالمانية) وفهرس المخطوطات المصورة بمعهد المخطوطات : التاريخ ، رقم : 59.
(4) لحظ الالحاظ لابن فهد : 315 308 ، والبدر الطالع للشوكاني : 1 / 28.

(1/65)


نهاية السول في رواة الستة الاصول :
قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة : وقد زينه بالفوائد العلمية الحديثية النادرة ، والضبوط المحررة الدقيقة للاسماء والكنى والالقاب والانساب والبلدان ونحوها..وقد رأيت في رحلتي إلى الهند وباكستان سنة (1382) نسخة المؤلف التي كتبها بخط يده الناعم الدقيق الجميل في (999) ورقة بالقطع الكبير ، وفي مجلد واحد في مكتبة رضا في مدينة رامبور. ورقمها فيها (1019)"وذكر في آخرها أنه انتهى منه في سنة (829) بحلب (1).
قلت : لم أوفق في الوقوف عليه ، ولعله اعتمد فيه على"الكاشف"للذهبي فاتخذه أصلا ، ثم أضاف إليه من عنده كما مر بنا عند كلامنا على"الكاشف.
ابن قاضي شهبة (851 779)
تقي الدين أبو بكر بن أحمد بن محمد المعروف بابن قاضي شهبة الأسدي الدمشقي صاحب التاريخ المشهور (2).
ذكر حاجي خليفة أنه اختصر"تهذيب الكمال" (3). ولا أعرف عنه شيئا.
ابن حجر العسقلاني (852 773)
حافظ عصره شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي الكناني العسقلاني صاحب التصانيف المشهورة الذائعة الصيت.
له :
__________
(1) مقدمة خلاصة تذهيب التهذيب : 7- 6.
(2) الضوء اللامع : 11 / 21 ، وشذرات الذهب : 7 / 269.
(3) كشف الظنون : 2 / 1510.

(1/66)


أولا تهذيب التهذيب (1) :
اختصر فيه"تهذيب الكمال"إلى نحو الثلث ، وأبدى في مقدمته عدة ملاحظات على كتاب المزي من أبرزها :
1- طول الكتاب ، بحيث قصرت الهمم عن تحصيله فتوجه الناس بسبب ذلك إلى"الكاشف". الذي امتازت تراجمه بالاختصار الشديد بحيث لا تفي بالغرض.
2- خلو بعض تراجم"التهذيب"من بيان أحوالهم.
3- محاولة المزي استيعاب شيوخ صاحب الترجمة واستيعاب الرواة عنه ، وأنه بالرغم من تمكنه من ذلك في أغلب التراجم"لكنه شيء لا سبيل إلى استيعابه ولا حصره بسبب انتشار الروايات وكثرتها وتشعبها وسعتها ، فوجد المتعنت بذلك سبيلا إلى الاستدراك على الشيخ بما لا فائدة جليلة ولا طائلة" (2).
4- أنه أفرد"عمل اليوم والليلة"للنسائي عن"السنن"وهو من جملة كتاب السنن في رواية ابن الاحمر وابن سيار ، وكذلك أفرد "خصائص علي"وهو من جملة المناقب في رواية ابن سيار. ولم يفرد"التفسير"وهو من رواية حمزة وحده ، ولا كتاب"الملائكة"و"الاستعاذة"و"الطب"وغير ذلك ، وقد تفرد بذلك راو دون راو عن النسائي فما تبين لي وجه إفراده"الخصائص"و"عمل اليوم والليلة" (3).
__________
(1) طبع بحيدر آباد في اثني عشر مجلدا في السنوات 1327 1325 وأعادت دار صادر طبعه بالاوفست.
(2) تهذيب التهذيب : 1 / 4 ، ولعل ابن حجر يشير بذلك إلى ما عمله العلامة علاء الدين مغلطاي في إكماله.
(3) تهذيب : 1 / 6.

(1/67)


أما منهجه في كتابه فيمكن إجماله على الوجه الآتي :
1- لم يحذف من رجال"التهذيب"أحدا ، بل زاد فيهم من هو على شرطه ، كما ذكر بعض التراجم التي تفيد للتمييز مما لم يذكره المزي ، وحافظ على العلامات (الرقوم) التي وضعها المزي في الاصل مقتصرا على ما وضعه على أسماء المترجمين دون شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه أما الفصول التي ذكرها المزي في المقدمة وهي التي في شروط الأئمة الستة وفي الحث على الرواية عن الثقات وفي الترجمة النبوية ، فقد حذفها في مختصره ، لوجود مادتها في الكتب المعينة بذلك.
2- أعاد التراجم التي حذفها المزي من أصل "الكمال" ، والتي كان الحافظ عبد الغني قد ذكرها بناء على أن بعض الستة أخرج لهم ، وكان المزي قد حذفهم بسبب عدم وقوفه على روايتهم في شيء من الكتب الستة. وذكر ابن حجر أن ذكرهم على الاحتمال أكثر فائدة من حذفهم ، ونبه على ما في تراجمهم من عوز ، أو عند وقوفه عند روايتهم في الكتب المذكورة.
3- أما في صياغة الترجمة فقد سار على النهج الآتي :
أ- حذف من الترجمة جميع الاحاديث التي خرجها المزي من مروياته العالية من الموافقات والابدال وغير ذلك من أنواع العلو.
ب- اقتصر من شيوخ المترجم ومن الرواة عنه على الاشهر والاحفظ والمعروف ، وحذف الباقين ، إذا كان المترجم من المكثرين وإن كانت الترجمة متوسطة اقتصر على ذكر الشيوخ والرواة الذين عليهم علامة في الاغلب ، وإن كانت طويلة اقتصر على من عليه علامة البخاري ومسلم ، مع ذكر جماعة غيرهم. أما إذا كانت الترجمة قصيرة فإنه لم يحذف منها شيئا في الاغلب.

(1/68)


ج- لم يلتزم بنهج المزي في ترتيب شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه على حروف المعجم ، لان ذلك يؤدي حسب قوله إلى"تقديم الصغير على الكبير" ، بل ذكر في أول الترجمة أكثر شيوخ الرجل ، وأسندهم ، وأحفظهم ، إن تيسر له معرفة ذلك ، إلا أن يكون للرجل ابن أو قريب فإنه كان يقدمه في الذكر ، وحرص أن يختم الرواة عن صاحب الترجمة بمن وصف بأنه آخر من روى عنه ، وربما صرح بذلك.
د- حذف من الترجمة أغلب الاخبار التي لا تدل على توثيق ، ولا
على تجريح ، واقتصر على ما يفيد ذلك.
ه- حذف كثيرا من الاختلافات المذكورة في وفاة المترجم.
و- ميز إضافاته على الترجمة أو تصحيحاته بلفظة : (قلت) وجعلها في آخر الترجمة ، وأكثر إضافاته ما يفيد التوثيق أو التجريح.
وقد انتفع ابن حجر بالمؤلفات التي سبقته مما وضع على"التهذيب"استداركا أو اختصارا ، ولا سيما"تذهيب التهذيب"للامام الذهبي و"إكمال تهذيب الكمال"للعلامة علاء الدين مغلطاي. والحق أن معظم ما أضافه ابن حجر من توثيق أو تجريح أو اختلاف في الوفيات ، أو استدارك في التراجم ، سواء أكانت من التراجم التي هي من شرط المزي ، وهي قليلة ، أم للتمييز ، قد أخذها من كتاب مغلطاي بالدرجة الاولى ، وعليه كان اعتماده ، لكنه انتقى منه ما وجده مهما حريا بالذكر فذكره ، وأهمل الباقي فأسقطه ، وإن إضافاته الشخصية كانت قليلة جدا.
ثانيا تقريب التهذيب :
ثم اختصر الحافظ ابن حجر كتابه هذا بكتاب صغير في مجلدين سماه"تقريب التهذيب"اقتصر فيه على اسم المترجم مختصرا ودرجة

(1/69)


توثيقه وطبقته والعلامات التي ذكرها له المزي ، وقيد بعض الأسماء والانساب والكنى بالحروف (1).
ومما تجدر الاشارة إليه أن ابن حجر أفاد من"تهذيب الكمال"في جميع المؤلفات التي وضعها مما يتعلق بهذا الفن.
تقي الدين ابن فهد (871 787)
تقي الدين أبو الفضل محمد بن محمد بن محمد بن فهد الهاشمي المكي الشافعي. ولد بمصر ، وتوفي بمكة ، واشتهر بتصانيفه الكثيرة الماتعة (2).
قال في كتابه"لحظ الالحاظ"عند الكلام على"تهذيب التهذيب"لابن حجر : وهو يشتمل على اختصار تهذيب الكمال للمزي مع زيادات كثيرة عليه تقرب من ثلث المختصر ، دمجتها مع زيادات الذهبي في "تذهيبه"وما زدته في التهذيب في كتابه"نهاية التقريب وتكميل التهذيب بالتذهيب (3)". وقال الشمس السخاوي : وجمع بين المزي وشيخنا بنصهما معزيادات ، التقي بن فهد وسماه : نهاية التقريب وتكميل التهذيب بالتذهيب" ، وذكر أنه كتاب حافل لو ضم إليه ما عند مغلطاي من الزوائد في مشايخ الراوي والآخذين عنه ، لكنه اعتذر بعدم وصول كتاب مغلطاي إلى مكة إذ ذاك (4).
وقد أصبح"تهذيب الكمال"إلى كل ذلك مصدرا لجميع المؤلفين في هذا الفن الجليل طوال العصور اللاحقة ، فإنه قلما وجدنا
__________
(1) طبع وهو مشهور بأيدي الناس.
(2) انظر مقدمة ذيل تذكرة الحفاظ.
(3) لحظ الالحاظ : 333.
(4) الاعلان : 600 وانظر مقدمة المجلد الثاني من تحفة الاشراف للمزي.

(1/70)


كتابا ألف في موضوعه لم يتخذه مصدرا رئيسا ، ثم صار بعد ذلك معيارا وحدا فاصلا لكثير من المؤلفات ، فحينما ذيل الحافظ زين الدين
أبو الفضل عبد الرحيم العراقي (ت 806) على"ميزان"الذهبي ذكر ابن حجر أن معظم هذا الذيل مأخوذ من"تهذيب الكمال"للمزي (1).
وحينما وضع ابن حجر نفسه"لسان الميزان"ذكر أنه اعتمد فيه"ميزان"الذهبي بعد أن حذف منه"من أخرج له الأئمة الستة في كتبهم أو بعضهم ، فلما ظهر لي ذلك استخرت الله ، وكتبت منه ما ليس في تهذيب الكمال (2)". وجمع أحدهم"الثقات من تهذيب الكمال (3)"وهلم جرا..
__________
(1) كشف الظنون : 2 / 1917.
(2) انظر مقدمة لسان الميزان : 124 (ط.الهند)
(3) راجع المجلد الاول من فهرس المخطوطات بدار الكتب المصرية الخاص بمصطلح الحديث الذي وضعه صديقنا المرحوم فؤاد سيد.

(1/71)


الفصل الرابع
منهجنا في تحقيق تهذيب الكمال
كثرة نسخ التهذيب الخطية :
بدأ المزي في وضع كتابه في صيغته النهائية منذ مطلع سنة (705) للهجرة ، وبدأ يحدث به منذ سنة (706) (1) على الرغم من أنه لم يتمه إلا في أواخر سنة (712) (2) ، فجاء في أربعة عشر مجلدا بخطه (3).
وقد طال عمر المزي ، ومتعه الله بالصحة الجيدة ، وصحة الحواس إلى آخر عمره ، واشتهر كتابه في حياته ، وسارت به الركبان ، فحدث بكتابه خمس مرات (4) بين سنة (706) وسنة (742) ، فسمع الكتاب عليه خلال هذه الستة والثلاثين عاما عدد كبير من المعنيين بهذا الشأن ، واجتهدوا في تثبيت خطه على نسخهم. ثم نال هذا الكتاب طوال القرون التالية منزلة رفيعة جعلته من أوائل الكتب التي يسعى أصحاب الخزائن إلى استنساخه واقتنائه.
لكل هذه الاسباب توافرت نسخ هذا الكتاب ، وانتشرت في بقاع الدنيا. فقلما نجد خزانة نفيسة من خزائن الكتب العالمية تخلو من
__________
(1) سمع محمد بن علي بن حرمي الدمياطي الجزء الثامن من أصل المؤلف سنة 706 ولعل المؤلف قد حدث بكتابه قبل هذا ولكننا لا نستطيع الجزم لعدم توفر الادلة.
(2) انظر الورقة الاخيرة من المجلد الثاني عشر من نسخة دار الكتب المصرية ذات الرقم : 25 مصطلح الحديث.
(3) أعيان العصر : 12 / الورقة : 126.
(4) على ما ذكر رفيقه وتلميذه الذهبي (أعيان العصر : 12 / الورقة : 125 ، والدرر : 5 / 234).

(1/73)


مجلد أو مجلدات من هذا الكتاب العظيم ، فضلا عما فيها من كتب اختصرت التهذيب ، أو استدركت عليه.
ومن سعادة المزي ، وسعادة التراث العربي الاسلامي أن نجد اليوم في خزائن الكتب عددا من المجلدات بخط المؤلف نفسه في أعظم مركزين للمخطوطات في العالم وهما : استانبول والقاهرة ، وعلى هذه المجلدات طباق السماعات مما سنصفه في صدر هذا المجلد والمجلدات الآتية بعون الله.
وقد يسر الله لي بحمده ومنه عددا من نسخ هذا الكتاب صورتها في رحلاتي المتعددة ، وأودعتها خزانة كتبي ، ومنها قسم بخط المؤلف المزي رحمه الله إذ كنت قد كلفت بهذا الكتاب النفيس منذ فترة ليست بالقصيرة.
نسخة ابن المهندس :
وقد تبين لي بعد دراسة العديد من النسخ أن من أحسن النسخ التي نسخت عن نسخة المؤلف وقوبلت عليه هي النسخة التي نسخها الإمام المحدث المفيد العدل الكبير شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن غنائم المعروف بابن المهندس الصالحي الحنفي الشروطي (733 665) (1).
كان ابن المهندس عالما فاضلا ، سمع على شيوخ عصره ، ورحل في طلب العلم إلى حلب ومصر ، وحج مرات ، وزار القدس الشريف ، وسمع في كل تلك البلاد ، وحصل تحصيلا كثيرا. وكان من أعيان الشهود العدول ، لازم الشهادة وكتابة الشروط مدة طويلة ، وولي
__________
(1) معجم الشيوخ للذهبي : 2 / الورقة : 29 ، وتذكرة الحفاظ : 4 / 1502 ، وذيل العبر : 179 ، والجواهر المضية للقرشي : 2 / 4 ، والدرر لابن حجر : 3 / 378 ، والدارس للنعيمي : 2 / 94 ، وشذرات ابن العماد :

(1/74)


مشيخة الحديث بمشهد ابن عروة ، ومشيخة الحديث بالتربة الكاملية الصلاحية بالصالحية ، وأخذ عنه فضلاء العلماء ، منهم : عز الدين ابن جماعة الكناني ، وعلم الدين البرزالي ، وإمام المؤرخين شمس الدين الذهبي ، وتقي الدين بن رافع السلامي ، وغيرهم. قال علم الدين البرزالي : وكان رجلا فيه ديانة وخير ومحبة للعلم وأسمع جملة من مسموعاته ، ورافقته في الحج ، فرأيت فيه حرصا على العبادة والخير"وقال الذهبي في معجم شيوخه الكبير : محمد بن إبراهيم بن غنائم بن وافد العدل الفقيه المحدث المتقن شمس الدين أبو عبد الله بن المهندس الصالحي الحنفي. ولد سنة خمس وستين وست مئة ، وعني بهذا الشأن عناية جيدة ، وكتب العالي والنازل ، وسمع..وكان صحيح النقل ، مليح الاصول..ونسخ الكتب الكبار ، وشهد على القضاة ، وتميز في الشروط ، وفيه خير وتواضع واحتمال.." (1). وذكر الذهبي أنه نسخ"تهذيب الكمال"مرتين (2).
وقد وصلت إلينا نسخته الاولى وهي في اثنين وعشرين مجلدا (3) ، كتبها عن نسخة المؤلف ، في الفترة (715 706) وسمعها عليه بعد ذلك كما هو مثبت بخطه في كثير من الاجزاء التي وصلت إلينا من نسخة المؤلف المزي.
اعتماد العلماء نسخة ابن المهندس :
وقد أضحت نسخة ابن المهندس هي النسخة المعتمدة عند العلماء منذ عصر المؤلف وفي العصور التالية له ، نظرا لدقتها وجودتها وصحة نقل ناسخها وسماعه على المؤلف ، فقد تبين لي أن العلامة
__________
(1) معجم الشيوخ : 2 / الورقة : 29.
(2) ذيل العبر : 179.
(3) ينقص من نسخة مكتبة السلطان أحمد الثالث التي صورت عنها نسختي المجلدات : الرابع والعاشر والحادي عشر والتاسع عشر ، وأنا مجتهد في العثور على هذا النقص في مكتبات أخر.

(1/75)


علاء الدين مغلطاي قد اعتمدها في كتابه"إكمال تهذيب الكمال"وهو يستدرك على الحافظ المزي ، قال في ترجمة أبي إسحاق أحمد بن إسحاق المطوعي السرماري وهو يتكلم على"سرمارة"التي نسب إليها : نسبة إلى قرية تدعى سرمارة بفتح السين وسكون الراء ، ويقال : بكسر السين فيما ذكر الحافظان الجياني وابن خلفون ، وابن السمعاني يضم السين وكأنه معتمد المزي ، لان المهندس ضم السين ضبطا عن الشيخ" (1).
كما اعتمدها العلامة تقي الدين السبكي (ت 756) في رده على بعض ما استدركه مغلطاي على المزي ، وهو مما حمله معه من مصر ابنه التاج عبد الوهاب صاحب الطبقات وسأل فيه والده (2) : السؤال الثاني : قال : وقال أيضا (يعني مغلطاي) : عياض بن حمار بن أبي حماري ، واسمه : ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان ، نسبه خليفة ، كذا هو موجود بخط المهندس ، وقرأته على الشيخ. والذي رأيت في كتاب الطبقات لخليفة المكتوب عن تلميذه أبي عمران عنه : ابن أبي حمار ، بغير ياء..الجواب (يعني جواب التقي السبكي) (3) : لفظ المزي في كتابه بخطه عندي : عياض بن حمار المجاشعي التميمي..له صحبة ، وهو عياض بن حمار بن أبي حمار بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع ، نسبه خليفة بن خياط. فالذي قاله المزي كما قاله غيره من الأئمة ، ونسخة من قال خلاف ذلك غلط. وهذه الترجمة في الجزء الرابع والستين من تهذيب الكمال وقد سمعه المهندس بقراءة جمال الدين رافع كما قلناه" (4)
__________
(1) إكمال تهذيب الكمال ، الورقة : 7 من المجلد الذي بخطه ، وانظر طبقات السبكي : 10 / 416 ، 417 ، 420.
(2) انظر أعلاه كلامنا على كتاب مغلطاي.
(3) إضافة مني للتوضيح.
(4) الطبقات : 10 / 417 416.

(1/76)


نسختنا المعتمدة :
قلنا سابقا : إن الحافظ المزي حدث بكتابه خمس مرات وإنه عاش مدة طويلة بعد الانتهاء من تأليفه ، لذلك كنت حذرا الحذر كله وأنا أطالع النسخ ، وأدرسها ، وأقارن بينها خوفا من أن يكون الرجل قد غير في كتابه بعض ما وجده حريا بالتغيير كما هي عادة جمهرة من العلماء ممن سبقه أو عاصره (1) لكن الذي ظهر لي بعد طول التتبع أنه لم يقم بأي تغيير أو تبديل على المبيضة التي انتهى منها في عيد الاضحى سنة (712) ، وأنه اعتمدها إلى حين وفاته باستثناء بعض الاضافات والتعديلات اليسيرة جدا.
ومن المعلوم في بدائه فن التحقيق أن نسخة المؤلف التي ارتضاها في آخر حياته تنسخ جميع النسخ ، فلا تكون بعد ذلك قيمة لاية نسخة غيرها.
وعلى هذا الاساس اعتمدت ما توفر لي من الكتاب بخط المؤلف واتخذته أصلا ، وما عدا ذلك ، فقد اعتمدت نسخة ابن المهندس"وقد اتخذنا هذا المجلد أصلا في المواضع التي لم يتضمنها المجلد الاول من نسخة المولف.
واستعنا بالنسخ الاخرى
__________
(1) كان من عادة المؤلفين في كل العصور إعادة النظر في الكتب التي يؤلفونها ، فكانوا يعيدون نشرها كلما تقدم الزمن بهم إذا وجدوا لذلك ضرورة. وقد قام مؤرخ بغداد ابن النجار مثلا بنشر كتابه أكثر من مرة وظل يضيف عليه إلى قريب وفاته. وأعاد الذهبي النظر في كتابه العظيم"تاريخ الاسلام"غير مرة واضطر إلى إعادة نسخ بعض مجلداته وتغيير اعدادها لكثرة ما أضاف من مادة بعد انتهاء تأليف الكتاب لا سيما في المئة الثانية ، بل غير عنوان الكتاب بعد الانتهاء من تأليفه حيث كان"تاريخ الاسلام وطبقات المشاهير والاعلام"فجعل كلمة"وفيات"بدلا من"طبقات" (انظر كتابنا : الذهبي : 25 فما بعد ومقدمتنا للقسم الاول من المجلد الثامن عشر الذي حققناه ونشرناه بالقاهرة سنة 1977).
ولدينا من معجم شيوخ الذهبي الكبير نسختان نقلت الاولى عن نسخة المؤلف المكتوبة سنة 728 ه وقد تضمنت 1278 ترجمة وظل عدد التراجم ثابتا إلى سنة 738 (أحمد الثالث : 462) ، أما النسخة الثانية ، فقد قرئت على المؤلف سنة 745 وهي تمثل آخر نشرة له فقد أشار الذهبي على من سمع عليه الكتاب آنذاك باسقاط جماعة من المكتوبين على حواشي الاصل من أصحاب ابن البخاري فلم يكتبهم الناسخ في هذه النسخة المقروءة عليه ، فنقص لاجل ذلك عدد التراجم قرابة المئتين وخمسين ترجمة. (نسخة دار الكتب المصرية ، رقم : 65 مسطلح الحديث).
فمثل هذا الامر يحتاج إلى دراسة لاعتماد الماده التاريخية التي ارتضاها المؤلف ، والامثلة على ذلك كثيرة.

(1/77)


تدفعني إلى ذلك جملة دوافع :
1- إن ابن المهندس من أوائل الذين سمعوا الكتاب على مؤلفه ، وأنه ابتدأ بنسخه منذ بدأ المزي يخرج المبيضة المعتمدة. وكان في وقت سماعه رجلا ناضجا عارفا بما يسمع.
2- كان ابن المهندس من العلماء الفضلاء الفهماء ذوي العلم الرصين ، والدين المتين ، والضبط والاتقان ، شهد له بذلك جهابذة العلماء مثل البرزالي والذهبي وابن حجر وغيرهم.
3- ان نسخته كانت هي النسخة المعتمدة عند جماهير العلماء منذ عصر المؤلف.
4- وإنه كان ناسخا محترفا صاحب خط جيد يسير فيه على قواعد الخط المعروفة قلما يخرج عنها.
5- كان ابن المهندس يضيف ويعدل في نسخته بعض ما أضافه المزي أو عدله في نسخته الاصلية من إضافات أو تعديلات طفيفة حتى بعد الانتهاء من نسخها ، وهو أمر نادر عند النساخ طيلة الاعصر ، فمن ذلك مثلا أن المزي أضاف ترجمة جديدة إلى كتابه بعد الانتهاء من تبييضه وذلك في العاشر من جمادى الاولى سنة (713) هي ترجمة أحمد بن محمد بن هانئ أبي بكر الأثرم البغدادي الإسكافي ، فنقلها ابن المهندس بورقة ملحقة في نسخته ، ولم يكتف بذلك بل قرأها على المؤلف بعد ذلك بأربعة أيام فقط وكتب خطه في نهاية الورقة الملحقة بالسماع ونصه : قرأت هذه الترجمة على مصنفها الشيخ الإمام العالم الحافظ جمال الدين يوسف المزي أبقاه الله وسمعها ابنه محمد في يوم الخميس رابع عشر جمادي الاولى سنة ثلاث عشرة وسبع مئة ، وكتب محمد ابن المهندس بدمشق".

(1/78)


6 ولا أبالغ إذا قلت : إن نسخة ابن المهندس لا تقل أهمية عن نسخة المؤلف ، بل ربما نجد فيها من الضبط مما لا نجده في نسخة المزي ، وهو مما قيده على نسخته عند سماعه الكتاب على شيخه المزي.
ومع ذلك سوف أصف في بداية كل مجلد من مطبوعنا النسخ التي اعتمدتها على وجه الاختصار.
تنظيم النص وأهميته :
وقد نظمت مادة الكتاب بما يفيد فهم النص فهما جيدا ، ويظهر النقول والتعقيبات بصورة واضحة ، وهي عملية ليست سهلة كما تبدو لاول وهلة ، ذلك أن عدم معرفة انتهاء النقل عند عدم التصريح به تتطلب معرفة تامة بموارد الكتاب وطبيعتها ، والرجوع إلى نصوصها الاصلية ، ولم تكن المخطوطات القديمة تسير على منهج معين في تنظيم نص الكتاب ، بل كانت تسردها بصورة متتالية ، فيصعب بذلك عندئذ فهم الكتاب والافادة منه على وجه الصحة ، لذا قمت بإعادة تنظيم بدء الفقرات ، ووضعت النقط والفواصل اللازمة حسب ما تقتضيه المعاني.
ترقيم التراجم :
ووضعت أرقاما مسلسلة للتراجم الاصلية بغية تسهيل الرجوع إليها ، والاحالة عليها بيسر ، وأدخلت معها ما كتبه المؤلف للتمييز ، أو ما ذكره وإن كان من أوهما صاحب "الكمال" ليرد عليه ممن لم يجد لهم المزي رواية عند أحد من أصحاب الكتب الستة ، لانها تراجم كاملة. أما الأسماء التي أوردها المؤلف"إحالة"ليترجم لهم فيما بعد ، أو ليشير إلى الموضع الذي ترجم لهم فيه بأسمائهم الكاملة أو الصحيحة ، فقد وضعت علامة فارقة تميزها"•" ، ولم أنظمها في

(1/79)


سلك تسلسل التراجم كما فعل ناشر وبعض مختصرات التهذيب مثل"تهذيب التهذيب"لابن حرج و"تقريب التهذيب"له أيضا ، أو غيرهما ، لان المؤلف لم يقصد من ذكرهم غير التنبيه إلى ورود ترجمتهم في مكان آخر ، وبذلك تخلصت من كثير من التراجم المكررة.
وهذه الارقام وتلك العلامة لم تكن في أصل النص ، فهما من عندي وضعتهما للتسهيل والتيسير.
وضع علامات أصحاب الستة ومؤلفاتهم الاخرى :
وكنا قد ذكرنا عند كلامنا على منهج التهذيب أن المؤلف المزي قد وضع علامات أصحاب الكتب الستة وعلامات مؤلفاتهم الاخرى
التي ترجم لرواتها فوق الاسم الاول سواء أكان ذلك للمترجمين الاصليين أم لبعض شيوخهم والرواة عنهم ممن ذكرهم داخل الترجمة.
أما نحن ، فقد وضعنا هذه العلامات في بداية الترجمة وبعد الرقم المتسلسل في التراجم الاصلية ، وبعد الاسم الكامل في أسماء شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه وحصرناها بين قوسين.
رموزبعض ألفاظ التحمل :
استعمل المؤلف مختصرات اعتاد المحدثون والنساخ استعمالها في الأسانيد من قديم الزمان وهلم جرا إلى أزمنة متأخرة ، فاقتصروا على الرمز في بعض ألفاظ التحمل ، فيكتبون من"حدثنا"الثاء والنون والالف"ثنا"وقد تحذف الثاء ويقتصر على"نا"ويكتبون من"أخبرنا" : أنا"أو"أبنا" (14) وربما حذفوا النقط من جميع ما ذكرنا ، واقتصروا على الرسم ، وهم إنما يفعلون ذلك لكثرة دوره في الاسناد ، ويختصرونها خطا ، ويثبتونها لفظا ، لكننا رأينا كثيرا من طلبة العلم
__________
(1) أما"أنبأنا"فلم يجوزوا فيها الاقتصار على الرمز"انظر كتب مصطلح الحديث ومنها مثلا تدريب الراوي : 302 فما بعد).

(1/80)


يتلفظون بها كما هي مكتوبة ، وهو خطأ مبين ، فارتأينا اثباتها خطا دفعا لهذه الغائلة ، ولقلة دورها في هذا الكتا ب (1).
انتساخى :
ولابد لنا من التنويه بأننا قد غيرنا في رسم بعض الالفاظ ، وهو ما يعرف في عصرنا بالاملاء. وقد اختلف الكتاب والنساخ في العصور الاسلامية وحتى هذا اليوم في رسم بعض الالفاظ والحروف واستعملوا
صيغا متنوعة دفعا للالتباس من جهه وتسهيلا للنساخ العجلين من جهة أخرى ، ولعدم وجود وحدة كتابية كالطباعة الحديثة عندنا تنظم هذه الامور.
فمن ذلك مثلا رسم"ابن"تجد همزتها تارة محذوفة وموجودة تارة أخرى في الموضع الذي حذفت فيه ، وأهل العربية مختلفون في ذلك اختلافا لا مزيد عليه. وقد حذفناها في جميع المواضع التي وقعت فيها بين علمين إلا في حالتين : الاولى عند مجيئها في أول السطر ، والثانية عند وقوعها قبل الصفات المادحة والانساب ونحوهما مثل"الحافظ"و"الشيخ"و"العدل"و"الإمام"و"الرازي"و"النيسابوري"و"القرشي"وهلم جرا.
ومن ذلك حذفهم الالف الوسطية من كثير من الأسماء مثل"خالد" ، و"الحارث"و"ابراهيم"و"سليمان"و"عثمان"و"اسحاق"و"عبد الرحمن"ونحوها ، ولم نأخذ به.
وكان المزي قد حذف عدة تراجم من أصل (الكمال) ممن ترجم لهم عبد الغني المقدسي بناءا على أن بعض أصحاب الكتب
__________
(1) وحذف المحدثون من أصل الاسناد كلمة"قال"جملة كافية وافترضوا أن القارئ يتلفظ بها ، ولو لا عدم اعتياد الناس على وجودها لاضفتها إلى الاسناد من أجل تقويم صحة قراءته. ودعوى أن الأسانيد تضخم الكتب دعوى جاهلة وباطلة في آن واحد لا سيما بعد توفر الطباعة وانتشارها.

(1/81)


الستة قد أخرج لهم ، فمن لم يقف المزي على روايته في شيء من هذه الكتب الستة أو مؤلفات أصحابها الاخرى حذفه ، فرأينا من المفيد تثبيت ما حذفه بنصه في هامش مطبوعتنا معتمدين غير نسخة من (الكمال) وقد قال الحافظ ابن حجر : وذكرهم على الاحتمال أفيد من حذفهم.
ومنه أيضا عدم وضع النقطتين تحت الياء المتطرفة في نسخنا الخطية هذه (1) ، وقد أخذ به كثير من الكتاب في عصرنا ولاسيما كتاب مصر فصارت تلتبس بالالف المقصورة ، فالتبست عشرات أسماء منقوصة بأسماء مقصورة أو صفات بمصادر أو مصادر بمصادر أو مصادر بصفات ، ولا يزال الناس يعانون التباس"المتوفي"الذي هو الله سبحانه وتعالى"بالمتوفى"الذي هو الانسان بسبب عدم إعجام الياء (2) ، لذلك أعجمنا مثل هذه الياء وهو مما ييسر القراءة.
ومعظم القدماء ، وكثير من أهل عصرنا ، ويكتبون"مئة"بزيادة ألف"مائة" ، وإنما فعل القدماء ذلك خوفا من اشتباهها ب"منه"أو"فئة" ، ولكن كثيرا من الناس صاروا يقرؤونها بلفظ الالف وهو خطأ مبين ما نحن بحاجة إليه بعد زوال العلة بظهور الطباعة الحديثة.
إن هذه الامور ليست من الاهمام بحيث يقال فيها : أخطأ فلان وأصاب فلان ، وإنما ذكرناها لئلا يحتج علينا بإغفالها ، ومسألة التيسير في الرسم"الاملاء"أصبحت من الامور المهمة في عصرنا على
__________
(1) الحق أنني وجدت المزي في الاغلب الاعم ينقط الالف التى على صورة الياء ويترك في الوقت نفسه نقط الياء ، وكأنه يريد بذلك ، والله أعلم ، التمييز بين الاثنين وأنه إنما نقط الالف لقلة ورودها في مثل هذه المواضع إذا قيس ذلك بكثرة ورود الياء ، ثم وجدت بعض ثقات النساخ أيضا من يكتب كل ألف مقصورة ألفا قائمة فكتبوا"المنجا"و"المرجا"و"المعلا"وحرف الجر"علا"فكل هذا يشير إلى جواز التصرف بالخط دفعا للالتباس.
(2) فصل شيخنا العلامة المرحوم الدكتور مصطفى جواد طيب الله ثراه القول في هذا فراجع كتابه النافع : دراسات في فلسفة النحو والصرف واللغة والرسم"المطبوع ببغداد سنة 1968 ص : 12 8.

(1/82)


ما قرره علامة العراق أستاذنا الشيخ محمد بهجة الاثري (3).
صيغ بداية الاجزاء وانتهائها :
قد ذكرنا في هذه المقدمة أن الحافظ المزي وضع كتابه في مئتين وخمسين جزءا حديثيا. وكان المزي يبدأ كل جزء وينهيه بصغية دالة على ذلك ، نحو ذلك البسملة في بداية الاجزاء والنص على انتهاء الجزء ، وذكر بداية الجزء الذي يليه. وقد حذفنا ذلك من أصل النص ووضعناه وأمثاله في الهوامش ، وأشرنا إلى بداية الاجزاء ونهايتها في الهوامش أيضا ، لاعتقادنا أن هذا الذي ذكر ليس من أصل المادة التاريخية التي تضمنها الكتاب بدليل تصرف السامعين على المؤلفين وأصحاب النسخ بمثل هذه الصيغ على مر العصور.
تحقيقات المزي وتعليقاته في الحواشي هل هي من أصل متن الكتاب ؟ ووجدنا للمؤلف المزي في حواشي نسخته كثيرا من التحقيقات العلمية والمقابلات ، منها تصحيحات في الأسماء أو الروايات مما استدركه على الحافظ عبد الغني المقدسي ، والحافظ أبي القاسم ابن عساكر في "المعجم المشتمل" ، فكان يكتب الصحيح في أصل نسخته ويشير إلى الاخطاء والاوهام في حواشيها ، وكان يبدأ تعقباته على عبد الغني في الحواشي بقوله : كان فيه (كذا) وهو وهم"ونحو ذلك. كما شرح في حواشي نسخته بعض ما لم يشأ إدخاله في صلب الترجمة مثل شرح نسبة شخص ، أو ضبط تقييد ، أو شرح غريب ، ونحو ذلك.
وقد تبين لنا بعد اطلاعنا على أجزاء كثيرة من الكتاب بخط المصنف ومقارنة تلك الحواشي بما جاء في حواشي النسخ الاخرى أن المؤلف لم يقصد أن تكون من صلب النص ، إنما كانت تعليقات له
__________
(1) انظر كلامه النافع في مجلة المجمع العلمي العراقي : م : 4 ، ج : 1 ، ص : 321.

(1/83)


على النص الذي كتبه وهو ما يعرف بالتحقيق في عصرنا ، وبيان ذلك :
1- وجود هذه العبارات في نسخة المصنف ، وليس لها إشارة في صلب النص أو لفظة"صح"التي اعتاد أن يعضها على العبارة المكملة للنص كما فعل هو وكثير غيره من المؤلفين والنساخ عند تبييض نسخهم ، أو مقابلتها بالاصل المنتسخ عنه.
2- انتقال هذه الملاحظات إلى حواشي جميع النسخ الموثقة وإشارة هؤلاء النساخ إلى ورود تلك العبارات في حاشية نسخة المصنف وبخطه.
3- استعمال العبارات الدالة على أن هذه التحقيقات أو التعليقات ليست من صلب النص نحو قول المؤلف تعليقا على"البنادرة""البنادرة جمع بندار ، وهو الناقد" (1) ، ونحو تعليقه على"ابن السكن"من مقدمته : هو أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن الحافظ" (2) ، وقوله في حاشية الورقة نفسها تعليقا على"الحسين بن محمد الماسرجسي" : هو"أبو علي الحسين بن محمد"وهلم جرا مما ستراه في حواشي كتابنا هذا.
ونظرا لاهمية هذه التحقيقات ، ولكونها من كلام المؤلف ، فقد ثبتها في هوامش مطبوعتنا هذه بنصها وعلقت على ما يحتاج التعليق منه إلى التعليق.
العناية بضبط النص :
وقد عنيت بضبط النص عناية بالغة ، وتحريت في هذا الامر غاية التحري ، ورجعت إلى كل ما أمكنني الرجوع إليه من المصادر مخطوطها ومطبوعها لا سيما تلك التي أخذ عنها مؤلف الكتاب ،
__________
(1) الترجمة : 6 من طبعتنا هذه.
(2) انظر الصفحة الاولى من الفصل الذي كتبه المؤلف عن فضيلة الكتب الستة.

(1/84)


فقارنت ما نقله عنها وثبت بعض الاختلافات التي رأيتها جديرة بالتثبيت والذكر ، وأهملت الكثير مما لم أر فائدة في إيراده ، يعينني على ذلك توفر جملة من الامهات مخطوطها ومطبوعها ، في خزانة كتبي الخاصة.
ولما كان المزي قد بني كتابه أصلا على كتاب "الكمال" للحافظ عبد الغني المقدسي ، فقد قارنت مادة هذا الكتاب بمادة "الكمال" مقارنة دقيقة ، وتخيرت من بين النسخ العديدة التي ضمتها خزانة كتبي أفضل هذه النسخ وأدقها للمقارنة والمطابقة. كما عنيت بكتاب"المعجم المشتمل"للحافظ ابن عساكر العناية نفسها وتحت يدي نسخة محققة غير منشورة منه.
أهمية كتب المشتبه في ضبط النص :
ولما كانت كثير من الحروف العربية تتشابه في رسمها مثل الحاء والخاء والجيم ، والباء والتاء والثاء والياء ، وغيرها من الحروف المتفقة في الرسم المختلفة في النقط ، فضلا عن اشتباه كثير من الالفاظ والأسماء والانساب والكنى ببعضها وائتلافها في الرسم واختلافها في النقط أو اللفظ ، فقد عنيت عناية بالغة بالكتب التي وضعها جهابذة المحدثين في هذا الفن الخطير ، لانها أعظم المصادر أهمية في ضبط علم الرجال على الاطلاق ، وهي الركن الركين ، والمرجع الامين لكل المشتغلين بهذا الفن العسير ، إذ يزول الخطأ عند الاعتماد عليها أو يكاد. وقد تحصل لي بحمدالله ومنه كل ما علمت بوجوده مما يتصل بهذا الفن الجليل ، وأخص منها بالذكر الكتاب الحافل الذي وضعه الامير هبة الله بن ماكولا (ت 475) ووسمه بالاكمال ، واستوعب فيه معظم المؤلفات السابقة له ، والذيل المستدرك الذي وضعه عليه الحافظ أبو بكر بن نقطة البغدادي (ت 629) وهو"إكمال

(1/85)


الاكمال" (1). ومنها أيضا : الكتاب المختصر النافع الجامع الملئ الذي وضعه مؤرخ الاسلام الذهبي في "المشتبه"وشرحاه : للحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت 842) وسماه"توضيح المشتبه" (2) ، وللحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852) وهو"تبصير المنتبه (3).
وتوضيح ابن ناصر الدين أكثر دقة وشمولا وسعة من حيث الضبط والتقييد والاستدراك على الإمام الذهبي الاستدراك النفيسة التي فاق بها ابن حجر.
ضبط النص بالحركات :
واجتهدت بتقيد كثير من الأسماء والكنى وأسماء البلدان ومعظم الانساب بالشكل تقييد القلم في أصل النص ، وربما قيدت ما أخشى وقوع التصحيف والتحريف فيه ضبطا بالحروف في الهامش زيادة في التحري.
وانتفعت عند ضبط الانساب بالكتاب الذي وضعه الإمام أبو سعد السمعاني (ت 562) فيها ، وبكتاب"اللباب"الذي هذب فيه عز الدين ابن الاثير (ت 630) أنساب السمعاني واستدرك عليه ، ولم أشر إليهما إلا في الخاص القليل النادر ، فإذا وجد في كتابنا المحقق هذا شرح لنسبة أو ما إليها وهو غفل من مصدره فتلك هي مصادره. ويشبه هذا في تقييد أسماء البلدان وضبطها وشرحها ، إذ اعتمدت الكتب المعنية بهذا الشأن ، وكل جل اعتمادي على"معجم البلدان"لياقوت
__________
(1) وذيل على ابن نقطة جمال الدين أبو حامد المحمودي المعروف بابن الصابوني"ت 680"في كتابه"تكملة إكمال الاكمال"وهو الذي حققه شيخنا العلامة ونشر ببغداد سنة 1975 ، وأبو المظفر منصور بن سليم الهمداني الاسكندارني"ت 673"وعندي منه نسخة مصححة بخطي ، ولكن أكثر ما تناولاه إنما هو من الأسماء والانساب والكني لاهل عصرهما.
(2) اعتمدت نسختي المصورة عن نسخة الظاهرية العامرة ، وهي أكمل النسخ.
(3) طبعه البجاوي في أربعة مجلدات وهو مشهور.

(1/86)


الحموي (ت 626) ومختصره المعروف"بمراصد الاطلاع"لابن عبد الحق البغدادي.
أما الذي ورد في ضبطه وتقييده أكثر من رواية ، فقد اخترت ما رأيته مرجحا عند المؤلف ، فإذا لم أجد قرينة لذلك ، أخذت بالمرجح عند أهل الحديث ، لانه منهم ، واكتفيت في الاغلب الاعم بترجيح واحد إلا في القليل النادر.
ولو شئت أن أشرح كل ما راجعت وقيدت وضبطت وشرحت وأذكر موارده ، لتضخمت حواشي الكتاب تضخما كبيرا على حساب النص وحساب الحواشي والتعليقات التي رأيتها أكثر نفعا وفائدة للقارئ.
أقول قولي هذا وليعلم القارئ الكريم علما تاما بأنني بذلت الجهد ، واستنفدت الطاقة في التدقيق والتمحيص وأنا معترف بعد كل هذا بمسؤوليتي العلمية والادبية عن أي خطأ وقع فيما حررت ، وعن أي تحريف أو تصحيف أصاب النسخة أو سوء قراءة مني لها.
أهمية"تاريخ الاسلام"للذهبي في تحقيق"التهذيب" :
عني الإمام الذهبي بكتاب تهذيب الكمال ، فاختصر منه أربعة كتب ، وطالع مسودته ثم طالع المبيضة كلها ، واستوعب معظم تراجمه في كتابه العظيم"تاريخ الاسلام ووفيات المشاهير والاعلام"الذي هو أصل كتبه الرجالية والتاريخية وأكثرها استيعابا وتفصيلا.
وعني ، وهو إمام المؤرخين وشيخ المعدلين والمجرحين ، بالتعليق على هذه التراجم ، بقراءة كل ترجمة من تراجم التهذيب مما ورد في "تاريخ الاسلام" ، وأفدت منه مستعينا بنسختي التامة الملفقة من عدة نسخ ، ومنها قسم كبير بخط المؤلف المتقن ، ولم أعدم الافادة من كتبه الكثيرة الاخرى ولا سيما"الميزان"و"التذهيب"
الانتفاع بالكتب الموضوعة على التهذيب :
وانتفعت في تحقيق هذا الكتاب انتفاعا عظيما بالكتب التي

(1/87)


وضعت على"تهذيب الكمال"من مستدركات ، ومختصرات مستدركات ، وقد تحصل عندي معظمها ، مخطوطها ومطبوعها. ومن أبرز هذه الكتب وأكثرها أهمية كتاب"إكمال تهذيب الكمال"للعلامة علاء الدين مغلطاي (ت 762) الذي يعد من أوسع الكتب المستدركة على"تهذيب الكمال" ، ثم كتاب"تهذيب التهذيب"لحافظ عصره ابن حجر العسقلاني (ت 852) وهو وإن اعتمد على كتاب مغلطاي وكتاب"التذهيب"للامام الذهبي اعتمادا كبيرا ، لكنه انتقى منهما ما وجده مهما فذكره. يضاف إلى ذلك أن ما ورد في تهذيب ابن حجر من استدراكات أو إضافات يمثل الصيغة النهائية لما استدركه أو صححه أو أضافه العلماء طيلة قرن كامل من العناية بهذا الكتاب العظيم.
تعليقاتنا على النص وأهميتها :
وقد أردت لطبعتنا المحققة هذه من"تهذيب الكمال"أن تكون ناسخة لجميع الكتب السابقة واللاحقة له في هذا الفن ، ومعوضة عنها جهد المستطاع ، فاجتهدت أن أثبت في حواشيها جملة تعليقات مضافة إلى ما ذكرت من تعليقات في الضبط والمقارنة من أبرزها :
1- التعليق على الأوهام القليلة التي وقع فيها صاحب الكتاب ، أو ترجيحه لرأي ، أو ضبط غير مرجح ، أو ما استدركه عليه الآخرون فكان استدراكا غير موفق ، أو ما حسبوه غلطا وهو صواب ، فبينت كل ذلك واستعنت بما توفر عندي من مصادر ، ومن بينها الكتب الموضوعة على التهذيب.
2- إيراد الاضافات أو الآراء الاخرى التي وجدها العلماء المعنيون بتهذيب الكمال على مر العصور ضرورية فذكروها واقتنعت أنا بها فذكرتها ، لاسيما الاضافات المختصرة التي جمعها ابن حجر في "تهذيب التهذيب". وكانت عنايتي تتركز بالدرجة الاولى على الاضافات المعنية

(1/88)


بالتوثيق والتجريح.
وقد اجتهدت دائما أن تكون تعليقاتي في جميع ما يصحح أو يوضح أو يستدرك جامعة نافعة ومختصرة كل الاختصار شرط أن تكون مجزئة دالة في الوقت نفسه.
مستدركنا على تهذيب الكمال :
وضعت في هامش مطبوعتنا المحققة هذه مستدركا على"تهذيب الكمال" ، ذكرت فيه التراجم التي هي من شرطه أو التراجم النافعة للتمييز بينها وبين تراجم التهذيب على الطريقة التي ابتدعها المزي نفسه حينما ذكر كثيرا من التراجم للتمييز. ووضعت لهذه التراجم أرقاما متسلسلة لجميع أجزاء الكتاب لا علاقة لها بأرقام تراجم الاصل.
وتحريت في إيراد النوعين فلم أذكر في هذا المستدرك كل من ذكره السابقون ، بل اقتصرت على ما حصل عليه اتفاق أو شبه اتفاق اقتنعت به ، وانتفعت في ذلك بما أورد المستدركون ولا سيما الذهبي ومغلطاي وابن حجر في هذا المجال وإن لم أشر إليهم دائما ، وأعدت صياغة الترجمة بما رأيته مناسبا.
وبعد :
فهذا تهذيب الكمال لامام الحافظ جمال الدين المزي أقدمه لطلاب العلم من ذوي الارب والمعرفة ، وعشاق التراث العربي الاسلامي الاصيل ، والعاملين على حفظ سنة النبي العربي الامي صلى الله عليه وسلم وصيانتها ورعايتها ونشرها ، قد بذلت فيه الطاقة ، واستفرغت الجهد ، وقطعت كثيرا من الاشغال لاجله ، لم أبخل عليه بضياء عين ثمين ، ولا وقت عزيز ، ولا تدقيق أو تمحيص ، فليعذر القارئ العالم من خطأ متأت عن ذهول ، أو سبق قلم ، أو انزلاق نظر أجهده طول النظر في صور المخطوطات ، وليقدم النصح ، فإن العقل للنصح مفتوح

(1/89)


والصدر رحب إن شاء الله تعالى ، وكل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأرى من الواجب علي أن أنوه بفضل كل من ساعد على ظهور هذا الكتاب ، وأخص منهم بالذكر :
أخي وصديقي الفاضل الاستاذ محيي هلال السرحان الذي تفضل فأعانني في نسخ جزء من المجلد الاول.
وصديقي العالم الفاضل المحقق ، والمتقن المتفنن ، الشيخ شعيب الارناؤوط لما بذله ويبذله من مساعدات وإسهامات كان لها الفضل العظيم على إخراج هذا الكتاب. فقد قام بقراءته قراءة دارس عالم ، وأنبهني على بعض ما فاتني ، وخرج الاحاديث الشريفة الواردة فيه ، وأبان عن درجة كل حديث من الصحة وغيرها حسبما تقتضيه القواعد الحديثية ، ثم توج عمله بالاشراف على تصحيح تجارب الطبع سدد الله خطاه ، وأنجح مسعاه ، ونوله رضاه.
وأما ناشر الكتاب الاستاذ رضوان الدعبول صاحب مؤسسة الرسالة ، فيستحق منا كل ثناء وتقدير على ما بذله من جهد مادي وأدبي لطبع هذا الكتاب الضخم الذي تعجز المؤسسات الخاصة والعامة عن نشره ، وهو بصنيعه هذا قد أتاح للباحثين والعلماء الانتفاع بهذا الكتاب والافادة منه ، فجزاه الله عنا وعنهم خير الجزاء.
وآخر دعواي أن الحمد لله وحده به قوتي وثقتي إليه الرغباء وبيده النعماء
بشار عواد معروف ، الدكتور
الاعظمية : 12 ربيع الال 1400 ه
30 كانون ثاني 1980 م

(1/90)


وصف النسخ المعتمدة في هذا المجلد
لقد ارتأينا أن نصف في صدر كل مجلد النسخ المعتمدة في تحقيقه ، لاننا لم نعتمد نسخا معينة في جميع مجلدات الكتاب ، ولم نذكر في هذا الوصف الا النسخ الاصيلة ، وأهملنا غيرها ، وهي كثيرة جدا لغناء الاصول الجيدة عنها. كما أننا سوف نزين كل مجلد بعدد من السماعات الواردة في النسخ ، ولاسيما تلك التي أثبتت على نسخة المؤلف التي بخطه.
1- قسم من المجلد الاول من نسخة المؤلف المبيضة التي بخطه وفيه الاجزاء من أول الرابع إلى نهاية العاشر والمحفوظ أصله في مكتبة فيض الله باستانبول برقم (1427) ومصورته في خزانة كتبي.
يبدأ هذا القسم من أثناء ترجمة"أحمد بن صالح المصري"وهي الترجمة رقم (1) من مطبوعتنا وأوله : بسم الله الرحمن الرحيم : أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي ، أخبرنا أبو حفص عمربن محمد بن معمر بن طبرزد.."وينتهي بآخر ترجمة"أزهر بن عبد الله بن جميع الحرازي الحميري الحمصي" ، وجاء في آخره : آخر الجزء العاشر من تهذيب الكمال ، ويتلوه : أزهر ابن القاسم. والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا".

(1/91)


ويتكون هذا القسم من مئة واثنتين وأربعين ورقة ، وفي بداية الاجزاء ونهاياتها مجموعة كبيرة من السماعات بخط المؤلف وبخط غيره من كبار العلماء مثل ابن المهندس ، والتقي السبكي والد التاج عبد الوهاب ، ومحمد بن حسن بن محمد المعروف بابن النقيب الخبري ، وخليل بن كيكلدي العلائي ، وعلي بن محمد الختني ، ومحمد بن علي بن حرمي الدمياطي ، ومحمد بن محمد سبط التنيسي الاسكندري ، وعمر بن عبد العزيز بن عبد الله القرشي المعروف بابن الفارقي ، وعبد القادر بن محمد بن إبراهيم البعلبكي وغيرهم من فضلاء العلماء (انظر ملحق السماعات).
ولا أعلم بوجود غير هذا المجلد من نسخة المؤلف التي بخطه في جميع خزائن الكتب التركية وقد فتشتها مكتبة مكتبة. ومن الطبيعي أن نتخذ هذا المجلد أصلا في جميع مادته.
2- المجلد الاول من النسخة التي بخط أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن غنائم ابن المهندس الحنفي ، المحفوظ أصلها في مكتبة أحمد الثالث باستانبول برقم : (2848 / أ)
A ، والمتكونة أصلا من اثنين وعشرين مجلدا ، والموجودة مصورتها في خزانة كتبي ولا ينقصها سوى المجلدات الرابع والعاشر والحادي عشر والتاسع عشر.
يتضمن هذا المجلد الاجزاء : (121) وبعض الثالث عشر ويتكون من مئتين وعشر لوحات ، في كل لوحة صفحتان ، ومسطرة الصفحة (21) سطرا ، وقد انتهى ابن المهندس من كتابته في مستهل رجب سنة (706) بسفح جبل قاسيون ظاهر دمشق.ولعله أول مجلد نسخ عن نسخة المؤلف (1).
__________
(1) أشار ابن المهندس إلى مقابلة نسخته بالاصل الذي بخط المصنف في أواخر الاجزاء.

(1/92)


يبدأ المجلد من أول الكتاب ، وينتهي بآخر ترجمة أبي موسى إسرائيل بن موسى البصري.
وقد اتخذنا هذا المجلد أصلا في الاجزاء الثلاثة الاولى التي لم يتضمنها المجلد الذي بخط المؤلف ، ورمزنا له بالحرف"م.
3- المجلد الاول من النسخة المحفوظة بدار الكتب المصرية برقم : (25) مصطلح الحديث ، والتي تتكون من اثني عشر مجلدا ، وصورتها كاملة في خزانة كتبي.
وهذا المجلد بخط دولتشاه بن قتلغ بك بن عبد الله البغدادي ، وقد انتهى من نسخة في مستهل شعبان سنة (741) بمشهد الربوة بدمشق ، نسخها للشريف نجم الدين أبي المطهر طاهر بن أبي بكر بن محمود الحسيني التبريزي ، وقوبلت هذه النسخة على نسخة المؤلف كما هو ظاهر في حواشيها.
يتضمن هذا المجلد الاجزاء : (18 1) ويتكون من (375) لوحة في كل لوحة صفحتان ، ومسطرتها : (19) سطرا. ويبدأ المجلد من أول الكتاب ، وينتهي بآخرترجمة أيوب بن سويد الرملي الحميري السيباني.
وعلى هذا المجلد والمجلدات الاحدى عشرة الباقية وقفية برسم السلطان الملك الاشرف أبي النصر برسباي على طلبة العلم الشريف المنزلين بالجامع الذي أنشأه بالقاهرة بخط الحريري مؤرخة في سنة (827).

(1/93)


وقد استكتب الشريف التبريزي هذه النسخة ليسمعها مع ولده زين الدين فضل الله على المؤلف إلا أن الظروف لم تسعفه إلا بسماع ثلاثة أجزاء من الكتاب فقط ، وكان سماعه للجزء الثالث على المؤلف قبل وفاته بيومين فقط ، وهو يوم الخميس العاشر من صفر سنة (742) ، وقد كتبت طبقة السماع ، ولكن لم يتسن للمزي وضع خطه عليها كما هو دأبه ، ولعل ذلك كان بسبب مرضه الذي توفي به.
ورمزنا لهذه النسخة"د.
4- المجلد الاول من نسختي المصورة عن المجلدات المحفوظة في الخزانة التيمورية برقم : (1681) تاريخ.
يتضمن هذا المجلد الاجزاء : (23 1) وينتهي بانتهاء حرف الثاء المثلثة ، وآخر ما فيه ترجمة : ثوير بن أبي فاختة القرشي الهاشمي أبي الجهم الكوفي.
ولا علاقه لهذا المجلد بالمجلدات الباقيات في نسخة الخزانة التيمورية التي بخط المؤلف ، والتي يبدأ ما وصف غلطا المجلد الثاني منها بترجمة الحكم بن عمرو الغفاري الذي هو بخط المؤلف.
وكان الفراغ من نسخ هذا المجلد في يوم الاربعاء سابع عشر ذي الحجة سنة (732) ، نسخه علي بن حسن بن سند بن علي الشافعي المصري لاحد الفضلاء ، وخطها جيد متقن ، وضع الناسخ فواصل بين الجمل والأسماء ، ولا سيما أسماء شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه كما هو ظاهر في النموذج المنشور.
وفي أول النسخة طبقة سماع بخط المزي يذكر فيها سماع

(1/94)


صاحبها الذي رمج أحدهم اسمه ، وجماعة آخرين لقسم من الكتاب عليه ، وهي الاجزاء : من الاول إلى نهاية الثامن والخمسين في مجالس آخرها سلخ المحرم سنة (740) بدار الحديث الاشرفية ، وأجاز لهم الشيخ ما لم يسمعوه.
ورمزنا لهذا المجلد"ت.
وثمة نسخ أخرى نملك صورا منها لا ترقى إلى مستوى النسخ التي وصفناها ، ليس في وصفها كبير فائدة.
فمنها : المجلد الاول المحفوظ بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء برقم : (72) مصطلح الحديث. والمجلد الاول أيضا من النسخة المحفوظة بمكتبة أحمد الثالث باستانبول برقم : (2848 / 1.)
B
وقد عثرنا في استانبول على عدة نسخ ومجلدات من (تهذيب الكمال) من أبرزها : نسخة كاملة في أربعة مجلدات ضخمة محفوظة في مكتبة الحميدية بالارقام : 225 ، 226 ، 227 ، 228 كتبها سلام السوني الشافعي بالجامع الازهر من القاهرة سنة 1161. ومنها أيضا نسخة كاملة مكتوبة بخط مغربي في أربعة مجلدات أيضا ، مجلدها الاول في مكتبة فيض الله برقم 1429 ، والمجلدات الباقية في مكتبة كوبرلي بالارقام : 272 ، 273 ، 274.

(1/95)


سماعات وردت في الاجزاء 10 4
من المجلد الاول
من نسخة المؤلف التي بخطه
طبقة سماع في سنة 739 لجماعة من الفضلاء على المؤلف بخط محمد بن الحسن بن محمد الخبري المعروف بابن النقيب المتوفى سنة 749 (1) مثبتة في أول الجزء الرابع من نسخة المؤلف التي بخطه (2) :
"وقرأت جميع هذا الجزء على مؤلفه شيخنا الإمام العلامة شيخ الاسلام حافظ الآفاق مسند الدنيا رحلة الوقت العمدة الحجة حمال الدين أبي الحجاج يوسف ابن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي فسح الله في أجله.
فسمعه الجماعة السادة : الإمامان العالمان زين الدين أبو الحسن علي بن الحسين بن القاسم ابن شيخ العوينة الموصلي ، وتاج الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن يوسف المراكشي ، والفقيه شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن عثمان السنجاري ، والفقيه شهاب (الدين) (3) أحمد بن إبراهيم بن سلور (4) المعروف بابن صاروا
__________
(1) انظر وفيات ابن رافع ، الترجمة : 544 (بتحقيق تلميذنا البارع الاستاذ صالح مهدي عباس) ، والدرر لابن حجر : 4 / 44.
(2) تتكرر هذه الطبقة في أول كل جزء ، وهي موجودة في أول الاجزاء من الرابع إلى العاشر من نسخة فيض الله مع اختلاف يسير في بعض أسماء السامعين بين طبقة وأخرى.
(3) إضافة من الطباق الاخرى يظهر أن الكاتب ذهل عنها.
(4) كتبها أولا ،"سركور"ثم كتب فوقها"سلور"وأشار عليها بكلمة"صح"دلالة على أن هذا هو الصحيح ، وهي كذلك أيضا ، أعني"سلور"في الطباق الاخرى.

(1/96)


البعلبكي ، والفقيه شهاب الدين أحمد بن بشر بن سليمان البياني ،
وشمس الدين محمد بن سليمان بن عبد الحافظ المقدسي ، الشافعيون والإمام جمال الدين محمد بن محمد بن محمد ابن قاضي الاسكندرية ، ورفيقه فخر الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله المعروف بابن المخلطة ، والشيخان العارفان أمين الدين مبارك بن عبد الله اللبناني ، وبرهان الدين إبراهيم بن محمد ابن الجيلي الصوفيان ، والشيخ نجم الدين أبو الخير سعيد بن عبد الله الذهلي ، والإمام محيى الدين محمد بن عبدالقاهر بن عبد الرحمن الشهرزوري وناصر الدين أبو بكر محمد بن طولبغا بن عبد الله السيفي ، المحدثون ، والقاضي مجد الدين أحمد بن عبد الرحمن مسعود الخازني ، وعتيقه فرج بن عبد الله النوبي ، وشمس الدين محمد بن عبد الله بن الشماخ بن عثمان بن أنعم اليمني المؤذن ، وبرهان الدين إبراهيم بن محمد بن محمود بن عبيدان (1) البعلبكي الحنبلي ، وأحمد بن أحمد بن إسماعيل الفراء ، والشيخ عمر بن أبي بكر بن أحمد المصري ، والشيخ ابراهيم بن عبدالمحيي بن محمد الواسطي ، وعمر ابن محمد بن أبي نصر النجار الاقفاصي وابنه محمد بن عمر ، وزوجتي أم محمد ست الشهود بنت تقي الدين أبي بكر بن حسن بن أبي التائب (2) الأنصاري ، وصح ذلك وثبت في يوم الخميس الثامن من شهر ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وسبع مئة بدار الحديث الاشرفية بدمشق المحروسة.
وكتب محمد بن حسن بن محمد بن أحمد بن إسرائيل الخبري ابن النقيب عفا الله عنه.
__________
(1) هكذا قرأته ، ولعله هو الذي ذكره ابن حجر في الدرر 1 / 96 وذكر أنه ولد سنة 686 وتوفي سنة 767.
(2) وردت مهملة في جميع الطباق ولعل ما أثبتناه هو الصواب ، ولم أعثر لست الشهود هذه ولا لوالدها أبي بكر على ترجمة في كتاب آخر ، ولكن انظر الدرر لابن حجر : 4 / 81.

(1/97)


خطوط جماعة من الفضلاء في أعلى الورقة الاولى من بداية الجزء الرابع وهي مكررة في جميع الاجزاء :
"سمعه وما قبله بقراءته عبد القادر بن محمد المقريزي" (1).
"وسمعه وما قبله إبراهيم بن يونس البعلبكي" (2).
"سمعه وما قبله محمد ابن الشهرزوري" (3).
"فرغ منه قراءة على مؤلفه ونسخا محمد ابن النقيب الخبري.
"علقه بعد ما سمعه محمد بن محمد بن محمد سبط التنيسي المالكي الاسكندري" (4).
"سمعه..على مصنفه محمد بن طولبغا السيفي" (5).
وهذه بعض السماعات المثبتة في أواخر الاجزاء من الرابع إلى العاشر مرتبة حسب قدمها ، وكثير منها مكرر في معظم الاجزاء المذكورة :
1- سماع بخط عماد الدين محمد بن علي بن حرمي الدمياطي المتوفى سنة 749 في آخر الجزء الرابع نصه : بلغت قراءة على مصنفه شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي في التاسع (6) كتبه ابن حرمي الدمياطي.
__________
(1) هذا هو جد تقي الدين المقريزي المؤلف المشهور صاحب"الخطط"و"السلوك"وغيرهما من المؤلفات ، وتوفي في حدود سنة 734 (الدرر : 3 / 4) وأصلهم من بعلبك. وخطه مثبت في سماع الجزء السادس على المؤلف في الثامن من رجب سنة 715.
(2) توفي سنة 741 ترجم له ابن رافع في الوفيات (الترجمة : 277) والذهبي في معجم شيوخه وابن حجر في الدرر : 1 / 81
(3) انظر الطبقة المذكورة قبل قليل ، والدرر لابن حجر : 4 / 139.
(4) هو المذكور في الطبقة الماضية باسم"جمال الدين محمد بن محمد بن محمد ابن قاضي الاسكندرية"وراجع الدرر : 4 / 348.
(5) ذكره ابن النقيب في طبقة السماع التي نقلناها قبل قليل ، وتوفي سنة 749 (الدرر : 4 / 81).
(6) يعني في الميعاد التاسع ، وهو ميعاد السماع.

(1/98)


وفي آخر الجزء الثامن ثبت ابن حرمي الدمياطي تاريخ السماع لهذا الجزء قال : بلغت قراءة في الرابع عشر على مصنفه شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي. كتبه محمد بن علي بن حرمي الدمياطي سنة ست وسبع مئة". وكانت قراءته للجزء العاشر في الميعاد السادس عشر.
2- سماع بخط العلامة قاضي القضاة تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي المتوفى سنة 756 في آخر الجزء الرابع وبعد كلام الدمياطي حيث كتب : وكذلك علي بن عبد الكافي السبكي في الرابع". وكتب في آخر الجزء الخامس : بلغت قراءة على مصنفه شيخنا الحافظ أبي الحجاج نفع الله به في العشرين من صفر سنة 8 (2). وكتب علي بن عبد الكافي السبكي.
وكتب السبكي في آخر الجزء السابع : بلغت سماعا من لفظ مصنفه رضي الله عنه لهذا الجزء وسمع تقي الدين أحمد بن محمد ابن المغربي.
وكتب علي بن عبد الكافي السبكي وصح.
3- سماع بخطه الفقيه الزاهد علي بن محمد بن عبد الله الختني
التركي المتوفى سنة 717 في آخر الجزء الرابع ونصه : سمع جميع هذا الجزء الرابع من تهذيب الكمال على مؤلفه الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ الحجة محدث العصر نسيج وحده وفريد عصره جمال الدين أبي الحجاج يوسف ابن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي الكلبي أدام الله بقاءه : شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن نصر الله القواس المزي ، وعلي بن محمد بن عبد الله الختني الشافعي بقراءته وهذا خطه ، وصح في مجالس آخرها الثامن والعشرين من رجب من سنة عشر وسبع مئة.
__________
(1) لعله يريد بذلك سنة 708 وهو الذي أرجحه.

(1/99)


وكرر السماع في آخر الاجزاء الباقية وذكر هناك موضع القراءة وهو بالكلاسة من جامع دمشق.
4- سماع بخط العلامة محمد بن إبراهيم ابن المهندس الحنفي في نهاية كل جزء ، وهذا ما جاء في آخر الجزء الرابع : قرأته على مؤلفه أيده الله ، وعارضت نسختي ، وسمعه ابنه محمد في ثلاثة مجالس ، آخرها يوم الاثنين ثاني عشر صفر سنة اثنتي عشرة وسبع مئة. وكتب محمد بن إبراهيم المهندس عفا الله عنه بمنه وكرمه.
وكانت قراءته للجزء الخامس في مجالس آخرها يوم الخميس التاسع والعشرين من صفر من سنة 712 ، والجزء السادس في يوم الاثنين الرابع من ربيع الاول من السنة ، والسابع في يوم الخميس الرابع عشر من ربيع الاول أيضا ، والثامن في يوم الخميس الحادي والعشرين من الشهر المذكور ، والتاسع في مجالس آخرها يوم الخميس الثامن والعشرين من الشهر المذكور أيضا.
5- سماع بخط المؤلف المزي في آخر الجزء العاشر مؤرخ في العشرين من جمادى الآخرة سنة 712 نصه : سمع ابني محمد ما فاته من هذا الجزء علي بقراءتي من لفظي في العشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة وسبع مئة وكتب مصنفه يوسف المزي.
وبخطه في آخر الجزء الرابع :
"سمع هذا الجزء علي ابني محمد ، وابن ابني عمر بن عبد الرحمن بقراءة الإمام العلامة كمال الدين أبي العباس أحمد بن محمد ابن أحمد بن الشريشي ، وحدثهما القارئ بما فيه من حديث حنبل عن أبي الحسن بن البخاري عنه ، وصح ذلك في مجلسين ثانيهما يوم الخميس الثاني عشر من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.

(1/100)


وكتب مصنفه يوسف المزي عفا الله عنه.
وبخطه مثل ذلك في آخر الجزء الخامس ، وفي آخر الجزء السادس نص المزي على أن قراءة الشريشي هذه كانت في المدرسة الناصرية بدمشق.
وجاء في آخر الجزء السادس أيضا : سمعه علي بقراءة رافع بن أبي محمد السلامي ابنه محمد ، وطيبرس الفاروخي ، وابنتي زينب ، وابن ابني عمر بن عبد الرحمن وأخته خديجة ، وأمهما فاطمة بنت محمد بن عبد الخالق وبنت خالهم آسية بنت محمد بن إبراهيم بن صديق وسمع زكريا بن يجبرتن بن مخلوف المغربي ، وصح ذلك في يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من جمادى الاولى سنة أربع عشرة. وكتب مصنفه يوسف ابن الزكي عبد الرحمن المزي.
6- سماع بخط العلامة صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كيكلدي
ابن عبد الله العلائي الدمشقي الشافعي المتوفى سنة 761 في نهاية الاجزاء : الرابع والخامس والسادس والعاشر ، وهذا نص سماعه في نهاية الجزء الرابع :
"قرأت جميع هذا الجزء والخامس بعده على مصنفهما شيخنا الشيخ الإمام العلامة الحافظ الاوحد الحجه الناقد جمال الدين بقية السلف أستاذ المحدثين أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي أبقاه الله فسمعهما ابنته زينب وابنة ابنه خديجة بنت عبد الرحمن ، وصح في يوم الاحد سادس عشري شهر محرم سنة أربع عشرة وسبع مئة بمنزله بدمشق. وكتب خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي.
7- سماع بخط العلامة الحافظ علم الدين القاسم بن محمد البرزالي المحدث المشهور المتوفى سنة 739 في آخر السادس وهذا نصه : سمعه جميع هذا الجزء السادس والجزء الخامس قبله بكمالهما على

(1/101)


المؤلف الشيخ الإمام العالم العامل الحافظ البارع الاوحد الزاهد الورع ، بقية السلف ، شيخ المحدثين ، عمدة الحفاظ ، جمال الدين أبي الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي نفع الله به بقراءة القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي وهذا خطه الجماعة السادة : زين الدين عبد الرحمن بن علي بن حمدان الصالحي الشافعي ، وناصر الدين محمد بن أحمد بن منصور بن إبراهيم الجوهري ، وشمس الدين محمد بن حمزة بن عمر بن أبي بكر المجد لي ، وشمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد المصري المالكي المعروف بابن رشيق وابنته عائشة وأمها خاتون بنت عبد العزيز بن سليمان التاجر ، وناصر الدين محمد بن طغريل بن عبد الله الصيرفي ، وسراج الدين عمر بن العباس بن عبد الرحمن بن سليمان بن سوير الزواوي المالكي ، وزين الدين عمر بن عبد العزيز ابن الشيخ العلامة زين الدين عبد الله بن مروان الفارقي ، وشرف الدين محمد بن أحمد بن الشيخ زين الدين أبي بكر بن يوسف بن أبي بكر المزي ، وزين الدين عبد الرحمن ابن المسمع ، ونفيسة بنت عبد العزيز بن الفارقي أخت عمر المذكور ، وعبد الله الهندي المراواتي من أصحاب الشيخ تقي الدين ابن تيمية.
وسمع الجزء السادس فقط ناصر الدين محمد ابن الشيخ شرف الدين عيسى بن علي بن عيسى المحدث المؤذن. وصح ذلك وثبت في يوم الاربعاء ثاني عشر شهر رجب سنة تسع عشرة وسبع مئة بدار الحديث الاشرفية بدمشق المحروسة ، وأجاز لهم ما يرويه وما يجوز له تسميعه.
والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
8- سماع بخط العلامة المحدث المورخ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمربن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 في آخر الجزء

(1/102)


السادس وهذا نصه : قرأت هذا الجزء بكماله على مؤلفه الإمام الحافظ جمال الدين أبي الجاج المزي أثابه الله الجنة في مجلسين آخرهما في يوم الثلاثاء ثالث رجب الفرد سنة سبع وعشرين وسبع مئة بمنزله بدار الحديث الاشرفية بدمشق ، وأجاز. وكتب إسماعيل بن عمربن كثير الشافعي ، والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما.
9- وفي آخر الجزء السادس أيضا طبقة سماع استغرقت أكثر من صفحتين تضمنت سماع جملة كبيرة من النساء والاطفال والرجال
للاجزاء : الخامس والسادس والسابع على المؤلف بقراءة المحدث الإمام الحافظ محب الدين أبي محمد عبد الله بن المحدث الثقة شهاب الدين أبي العباس أحمد بن عبد الله المقدسي الصالحي الحنبلي المتوفى سنة 737 (1) وكتب الطبقة بخطه أيضا وتاريخ القراءة يوم الاحد العاشر من شهر شعبان سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة بدار الحديث الاشرفية.
10- سماع بخط المحدث عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن مروان القرشي المعروف بابن الفارقي المتوفى سنة 749 في آخر الجزء السادس أيضا مؤرخ في سنة 737 وهذا نصه : قرأت جميع هذا الجزء على مؤلفه شيخنا الإمام العالم العلامة الاوحد جمال الحفاظ علم النقاد نادرة وقته جمال الدين أبي الحجاج يوسف ابن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي فسح الله في مدته ، وأعاد علينا من بركته ، فسمعه الشيخ زين الدين عمر بن أيوب بن سلمان عرف بابن مؤذن النجيبي وولده
__________
(1) اشتهر الإمام محب الدين المقدسي هذا بسرعة القراءة لا يتقدمه أحد فيها (ذيول تذكرة الحفاظ : 29 30) وابنه أبو بكر بن المحب نسخ تهذيب الكمال بخطه (الذيول أيضا : 61).

(1/103)


أحمد ، وصح ذلك وثبت في يوم الاثنين حادي عشري ربيع الاول من سنة سبع وثلاثين وسبع مئة بدار السنة الاشرفية داخل دمشق. وكتب عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن مروان القرشي ابن الفارقي عفا الله عنهم. الحمدلله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وقد مر في الطبقة التي كتبها البرزالي سنة 719 سماع عمر ابن الفارقي هذا مع أخته نفيسة للجزء نفسه على مؤلفه.
سماعات منتقاة من نسخة المؤلف
المحفوظة بدار الكتب المصرية رقم (26) حديث.
من الجزء الحادي والستين :
1-"قرأت جميع هذا الجزء على مصنفه الشيخ الإمام العالم الحافظ الناقد الزاهد العابد الورع جمال الدين أبي الحجاج يوسف ابن الزكي عبد الرحمن المزي أبقاه الله تعالى وصح في مجالس آخرها الحادي والعشرين من ربيع الاول سنة عشر وسبع مئة بدمشق وكتب محمد ابن المهندس" (1).
2-"قرأت جميع هذا الجزء على مصنفه شيخنا وسيدنا الشيخ الإمام العلامة الحافظ الناقد الحجة الزاهد جمال الدين أبي الحجاج أبقاه الله فسمعه ابنه أبو عبد الله محمد ، وابن ابنه عمر بن عبد الرحمن ، وصح في يوم السبت سابع عشرين شهر ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
كتب خليل بن كيكلدي العلائي.
__________
(1) وهو متكرر في جميع أجزاء الكتاب.

(1/104)


3-"قرأته جميعه على مصنفه شيخ وقته أبي الحجاج المزي في مجالس آخرها يوم الخميس الحادي والعشرين من شهر صفر سنة أربع عشرة وسبع مئة بالكلاسة من جامع دمشق المحروسة. كتبه علي بن محمد الختني الشافعي.
في آخر الجزء الثالث والستين :
1-"سمع هذا الجزء علي بقراءتي من لفظي أولادي : محمد وزينب ، وابن أخيهما عمر بن عبد الرحمن ، وصلاح الدين خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي.وصح ذلك في يوم الاثنين سلخ ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وسبع مئة بمنزلنا بدمشق. وكتب مصنفه يوسف المزي عفا الله عنه.
2-"سمع هذا الجزء والجزء من قبله علي بقراءة الإمام جمال الدين أبي محمد رافع بن أبي محمد بن محمد بن شافع السلامي : ابنه محمد ، وعلاء الدين طيبرس بن عبد الله الفاروخي ، وأولادي محمد وزينب وابن أخيهما عمر بن عبد الرحمن وأخته خديجة وأمهما فاطمة بنت محمد بن عبد الخالق ، وبنت خالهم خديجة بنت محمد بن إبراهيم بن صديق وأختها آسية وصح ذلك يوم الاحد العاشر من جمادى الآخرة سنة أربع عشرة وسبع مئة.وكتب مصنفه يوسف المزي.
في آخر الجزء السابع والستين :
1-"سمع جميع هذا الجزء وهو السابع والستون والجزء الذي بعده وهو الثامن والستون وهما من كتاب تهذيب الكمال على مصنفه الشيخ الإمام العالم الحافظ البارع الاوحد الزاهد الورع جمال الدين بقية السلف عمدة الحفاظ شيخ المحدثين أبي الحجاج يوسف ابن الزكي عبد الرحمن

(1/105)


ابن يوسف المزي نفع الله به بقراءة القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد البرزالي وهذا خطه : الشيخ الإمام شمس الدين محمد بن محمد بن الحسن بن نباتة المصري ، وأبو عبد الله محمد ابن الشيخ محمد بن أبي بكر عبد الرحمن بن عبد الله الكنجي ، وشرف الدين محمد بن أحمد بن الشيخ تقي الدين أبي بكر بن يوسف المزي ، وزين الدين عمر بن عبد العزيز ابن الشيخ العلامة تقي الدين عبد الله بن مروان الفارقي وصح ذلك يوم الاربعاء يوم تاسوعاء محرم سنة عشرين وسبع مئة بدار الحديث
الاشرفية داخل دمشق.
سماع بخط المؤلف
في أول المجلد الاول من النسخة التيمورية
الحمدلله وسلام على عباده الذين اصطفى.
سمع علي من أول هذا الكتاب إلى آخر الجزء الثامن والخمسين من الاصل وهو إلي آخر ترجمة زكريا بن أبي زائدة بقراءة الإمام العالم شمس الدين أبي عبد الله محمد بن الحسن بن محمد بن أحمد المعروف بابن النقيب ، وبعضه بقراءة غيره : صاحبه الشيخ الإمام العلامة..وآخرون في مجالس آخرها في سلخ المحرم سنة أربعين وسبع مئة بدار الحديث الاشرفية بدمشق وقد أجزت لمن سمع على ذلك أو شيئا منه رواية جميع هذا الكتاب ورواية ما تجوز لي روايته بشرطه عند أهله. وكتب العبد الفقير إلى رحمة ربه المعترف بذنبه يوسف ابن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي عفا الله عنه.
طبقة سماع الجزء الاول على المؤلف من نسخة التبريزي
سمع جميع هذا الجزء الاول من كتاب تهذيب الكمال في

(1/106)


أسماء الرجال على مصنفه الشيخ الإمام الحافظ العلامة العمدة الحجة الجهبذ البارع الاوحد الكامل شيخ الاسلام ، رحلة الانام ، قدوة أهل الدراية والرواية ، محيي السنة ، جمال الدين أبي الحجاج يوسف ابن الزكي عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك بن يوسف بن علي بن أبي الزهر القضاعي ، ثم الكلبي المزي الشافعي ، فسح الله في مدته ، وأمتع المسلمين بفضله وبركته بقراءة صاحبه الشيخ الإمام السيد الجليل العالم الصدر الرئيس الكبير الاوحد الحسيب النسيب فخر السادة والاشراف نجم الدين أبي المطهر طاهر ابن الصدر الكبير خواجه جمال الدين أبي بكر بن السيد فخر الدين أبي الثناء محمود بن سعيد ابن أسعد بن مؤيد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الحسيني التبريزي الشافعي أدام الله شرفه : ابنه السيد الشريف الفقيه المحصل المجتهد المرضي زين الدين أبو المكارم فضل الله المقرئ ، والإمام العلامة الاوحد البارع مفتي المسلمين علاء الدين أبو الحسن علي بن محمود ابن حميد بن مؤمن القونوي المدرس الحنفي المتصوف ، والشيخ الإمام العالم الاصيل الكامل نظام الدين أبو الفضائل يحيى ابن العلامة نور الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن عمر بن علي ابن محمود الجعفري الطياري ، والإمام العالم الفاضل الاصيل الجليل الكامل إمام الدين أبو المكارم شيخ علي ابن الصاحب السعيد خواجه شهاب الدين مبارك شاه ابن أبي بكر البكري الساوجي التبريزي الشافعي ، والشيخ الصالح بدر الدين أبو علي الحسن بن علي بن محمد البغدادي الصوفي ، والشيخان الاديبان الفاضلان الرفيقان أبو جعفر أحمد بن يوسف بن مالك الرعيني ، وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي المعروف بابن جابر الضرير الاندلسي ، وكتاب السماع محمد ابن عبد القاهر بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبدالقاهر بن الحسن بن علي ابن القاسم بن المظفر بن علي بن القاسم الشهرزوري الموصلي الشافعي

(1/107)


عفا الله عنهم ، وسمح لهم.
وسمع الشيخ الجليل الفقيه برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد القرشي اليمني المدني من قوله فيه"ولهؤلاء الأئمة الستة مصنفات عدة"إلى آخره ، وسمع الجليل العالم الشيخ الاديب الفاضل نور الدين أبو الحسن علي بن محمد بن فرحون اليعمري المدني ، وابنه الفقيه شمس الدين أبو عبد الله محمد ، وشرف الدين عبد الله بن الإمام تقي الدين أبي عبد الله محمد بن سليمان بن عبد الله الجعبري ، ومحمد بن النظام حسن بن محمد النيسابوري ، والخطيب شمس الدين محمد بن عمر بن فلاح الحراضي خطيب قرية داعية من أول الجزء إلى قوله فيه : فصل : وهذه نبذة من أقوال الأئمة في هذا العلم تمس الحاجة إليها"ومن هنا إلى آخره الشيخ الجليل الصالح بدر الدين أبو علي الحسن بن إبراهيم ابن أسد بن أبي الفرج بن دراع اليمني المتصوف ، والشيخ الصالح تقي الدين إبراهيم بن عبدالمحيي بن محمد بن منصور الواسطي المعروف بابن الوراق ، والامير ناصر الدين محمد بن علم الدين سنجر بن عبد الله اليمكي ، وصائن الدين نصر الله بن الشيخ نظام الدين يحيى الجعفري المذكور ، وبرهان الدين إبراهيم بن الإمام تقي الدين الجعبري ، وقطلو بنت عبد الله الرومية فتاة زينب بنت المسمع.
وسمع الجزء كاملا حبيبة بنت أيوب بن يوسف زوج المصنف المسمع ، وأنملك بنت محمد بن عبد الله الحلبي ، وفاطمة وأسماء بنتا الإمام تقي الدين الجعبري المذكور. وصح ذلك وثبت في مجلسين ثانيهما يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شعبان سنة إحدى وأربعين وسبع مئة بدار الحديث الاشرفية بمدينة دمشق حرسها الله تعالى. وأجاز لهم المسمع جميع ما تجوز له روايته بسؤال كاتب الطبقة. والحمد لله وحده ، وصلى

(1/108)


الله على محمد وصحبه وسلم.
صحيح ذلك وكتب يوسف المزي
ومما جاء في طبقة سماع الجزء الثالث من نسخة التبريزي وهو آخر سماع فيها : سمع جميع هذا الجزء الثالث من كتاب تهذيب الكمال في أسماء الرجال على مصنفه الشيخ الإمام الحافظ العلامة العمدة الحجة..بقراءة صاحب النسخة المولى الصدر الكبير...التبريزي : ابنه..ومحمد بن عبدالقاهر بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبدالقاهر بن الحسن بن علي بن القاسم ابن الشهرزوري وهذا خطه ، وصح ذلك في يوم الخميس العاشر في صفر سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة بدار الحديث الاشرفية بدمشق المحروسة. وأجاز لهم الشيخ رواية ما تجوز له روايته ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على محمد النبي وآله وصحبه الطيبين الطاهرين أجمعين. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

(1/109)


تهذيب الكمال في اسماء الرجال
للحافظ المتقن جمال الدين أبي الحجاج يوسف المزي 654 ، 742 ه
المجلد الاول
حققه ، وضبط نصه ، وعلق عليه
الدكتور بشار عواد معروف

(1/143)


مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنار طريق الحق ، وأبان سبيل الهدى ، وأزاح العلة ، وأزال الشبهة ، وبعث النبيين مبشرين ومنذرين ، لئلا يكون للناس على الله حجه بعد الرسل ، وليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حي عن بينة.
وصلى الله على خيرته من خلقه ، وصفوته من بريته : إمام المتقين ، وخاتم النبيين ، وخطيبهم إذا وفدوا ، وشافعهم إذا حبسوا ، ومبشرهم إذا يئسوا ، صاحب لواء الحمد ، والمقام المحمود أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وصلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين ، وإخوانه من النبيين والمرسلين وسائر عباد الله الصالحين ، صلاة دائمة غير زائلة ، وباقية غير فانية ، ومتصلة غير منقطعة ، وسلم تسليما.
أما بعد ، فإن الله تعالى وله الحمد لم يخل الارض من قائم له بحجة ، وداع إليه على بصيرة ، لكي لا تبطل حجج الله وبيناته ، فهم كما وصفهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث يقول : أولئك هم الاقلون عددا ، الاعظمون عند الله قدرا ، هجم بهم العلم على حقيقة الامر ، فاستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، صحبوا الدنيا بأبدان قلوبها معلقة بالمحل الاعلى شوقا إلى لقائهم.

(1/145)


وإذا كان الامر كما ذكرنا ، والحال على ما وصفنا ، فواجب إذا على كل مكلف ذي عقل سليم مطلق من إسار الشهوات الحيوانية والشبهات الشيطانية أن يبذل جهده ، ويستفرغ وسعه في تحصيل الفوز بالنعيم الابدي ، والنجاة من العذاب السرمدي.
ومن المعلوم الواضح عند كل ذي بصيرة أن ذلك لا يحصل إلا بتزكية النفس وتطهيرها من الادناس الطبيعية ، والاخلاق البهيمية ، وذلك منحصر في أمرين لا ثالث لهما ، وهما : العلم النافع ، والعمل الصالح.
لكن الناس مختلفون في ذلك اختلافا كثيرا ، ومتباينون فيه تباينا شديدا ، فكل قوم يدعون أن ما هم عليه من القول والعمل هو الحق المؤدي إلى طهارة النفس وتزكيتها ، وأن ما سوى ذلك باطل مضر بصاحبه ، ويقيمون على ذلك دلائل من آرائهم ، وبراهين من أفكارهم ، ويدعي خصومهم مثل ذلك ، ويعارضونهم بمثل ما ادعوه لانفسهم وعارضوا به خصومهم ، فكل بكل معارض وبعض ببعض مناقض. وما كان هذا سبيله فليس فيه شفاء غليل ولابرء عليل ، وإذا كان ذلك كذلك لم يبق أمر يقصد إليه ، ولا شيء يعول عليه إلا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، وسنة الرسول الكريم المؤيد بالدلائل الواضحات والمعجزات الباهرات التي يعجز كل أحد من البشر عن معارضتها والاتيان بمثلها.
فأما الكتاب العزيز ، فإن الله تعالى تولى حفظه بنفسه ولم يكل ذلك إلى أحد من خلقه فقال تعالى : {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) {1) ، فظهر مصداق ذلك مع طول المدة ، وامتداد الايام ، وتوالي الشهور ، وتعاقب السنين ، وانتشار أهل الاسلام ، واتساع رقعته.
__________
(1) الحجر ، آية : 9.

(1/146)


وأما السنة ، فإن الله تعالى وفق لها حفاظا عارفين ، وجهابذة عالمين ، وصيارفة ناقدين ، ينفون عنها تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، فتنوعوا في تصنيفها ، وتفننوا في تدوينها على أنحاء كثيرة وضروب عديدة ، حرصا على حفظها ، وخوفا من إضاعتها ، وكان من أحسنها تصنيفا ، وأجودها تأليفا ، وأكثرها صوابا ، وأقلها خطأ ، وأعمها نفعا ، وأعودها فائدة ، وأعظمها بركة ، وأيسرها مؤونة ، وأحسنها قبولا عند الموافق والمخالف وأجلها موقعا عند الخاصة والعامة : صحيح أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، ثم صحيح أبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري ، ثم بعدهما كتاب السنن لابي داود سليمان بن الاشعث السجستاني ، ثم كتاب الجامع لابي عيسى محمد بن عيسى الترمذي ، ثم كتاب السنن لابي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ، ثم كتاب السنن لابي عبد الله محمد بن يزيد المعروف بابن ماجة القزويني وإن لم يبلغ درجتهم.
ولكل واحد من هذه الكتب الستة مزية يعرفها أهل هذا الشأن ، فاشتهرت هذه الكتب بين الانام ، وانتشرت في بلاد الاسلام ، وعظم
الانتفاع بها ، وحرص طلاب العلم على تحصيلها ، وصنفت فيها تصانيف ، وعلقت عليها تعاليق ، بعضها في معرفة ما اشتملت عليه من المتون ، وبعضها في معرفة ما احتوت عليه من الأسانيد ، وبعضها في مجموع ذلك.
وكان من جملة ذلك كتاب "الكمال" (1) الذي صنفه الحافظ أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي رحمة الله عليه في معرفة أحوال الرواة الذين اشتملت عليهم هذه الكتب الستة. وهو كتاب نفيس ، كثير الفائدة ، لكن لم يصرف مصنفه رحمه الله عنايته إليه حق صرفها ، ولا استقصى الأسماء التي اشتملت
__________
(1) تمام اسم الكتاب كما هو مشهور : الكمال في أسماء الرجال".

(1/147)


عليها هذه الكتب استقصاء تاما ، ولا تتبع جميع تراجم الأسماء التي ذكرها في كتابه تتبعا شافيا ، فحصل في كتابه بسبب ذلك إغفال وإخلال.
ثم إن بعض ولده ممن لم يبلغ في العلم مبلغه ، ولا نال في الحفظ درجته رام تهذيب كتابه وترتيبه واختصاره واستدراك بعض ما فاته من الأسماء ، فكتب عدة أسماء من أسماء الصحابة الذين أغفلهم والده من تراجم كتاب "الاطراف" (1) الذي صنفه الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي المعروف بابن عساكر رحمه الله وأسماء يسيرة من أسماء التابعين من كتاب "الاطراف" أيضا. وكتب عدة أسماء ممن أغفلهم والده من كتاب"المشايخ النبل"الذي صنفه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أيضا.
ولم يزد في عامة ذلك على ما ذكره الحافظ أبو القاسم شيئا. فوقعت عامة تلك الأسماء المستدركة في الكتاب مختصرة منتفة ، ولا يحصل بذكرها كذلك كبير فائدة. ووقع في بعض ما اختصره بلفظه من كتاب والده خلل كبير ، ووهم شنيع.
فلما وقفت على ذلك ، أردت تهذيب الكتاب وإصلاح ما وقع فيه من الوهم والاغفال ، واستدراك ما حصل فيه من النقص والاخلال ، فتتبعت الأسماء التي حصل إغفالها منهما جميعا ، فإذا هي أسماء كثيرة تزيد على مئات عديدة من أسماء الرجال والنساء. ثم وقفت على عدة مصنفات لهؤلاء الأئمة الستة غير هذه الكتب الستة وستأتي أسماؤها قريبا إن شاء الله تعالى فإذا هي تشتمل على أسماء كثيرة ليس لها ذكر في الكتب الستة ، ولا في شيء منها ، فتتبعتها تتبعا تاما ، وأضفتها إلى ما قبلها ، فكان مجموع ذلك زيادة على ألف وسبع مئة اسم من الرجال والنساء. فترددت بين كتابتها مفردة عن كتاب الاصل ، وجعلها كتابا مستقلا
__________
(1) انظر عن كتاب "الاطراف" ونسخة بحث الاستاذ كوركيس عواد من مؤلفات ابن عساكر المقدم إلى مهرجان ابن عساكر المعقود بدمشق في ربيع سنة 1979.

(1/148)


بنفسه ، وبين إضافتها إلى كتاب الاصل ، ونظمها في سلكه ، فوقعت الخيرة على إضافتها إلى كتاب الاصل ، ونظمها في سلكه ، وتمييزها بعلامة تفوزها عنه ، وهو أن أكتب الاسم ، واسم الاب أو ما يجري مجراه بالحمرة وأقتصر في الاصل على كتابة الاسم خاصة بالحمرة.
وجعلت لكل مصنف علامة (1) ، فإن تكرر الاسم في أكثر من مصنف واحد اقتصرت على عزوه إلى بعضها في الغالب.
فعلامة ما اتفق عليه الجماعة الستة في الكتب الستة : (ع)
وعلامة ما اتفق عليه أصحاب السنن الأربعة في سننهم الأربعة : (4).
وعلامة ما أخرجه البخاري في الصحيح : (خ) ، وعلامة ما استشهد به في الصحيح تعليقا : (خت).
وعلامة ما أخرجه في كتاب القراءة خلف الإمام : (ز).
وعلامة ما أخرجه في كتاب رفع الدين في الصلاة : (ي). وعلامة ما أخرجه في كتاب الادب : (بخ). وعلامة ما أخرجه في كتاب أفعال العباد : (عخ) (2).
وعلامة ما أخرجه مسلم في الصحيح : (م) ، وعلامة ما أخرجه في مقدمة كتابه : (مق) (3).
وعلامة ما أخرجه أبو داود في كتاب السنن : (د) ، وعلامة ما أخرجه في كتاب المراسيل : (مد). وعلامة ما أخرجه في كتاب الرد على أهل القدر : (قد). وعلامة ما أخرجه في كتاب الناسخ والمنسوخ : (خد).
__________
(1) انظر عن ظهور هذه العلامات وتطورها كتاب روزنتال : مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي". ترجمة الدكتور أنيس فريحة ، ص : 96 فما بعد (بيروت 1961).
(2) ذكر ابن حجر مما فاته كتاب"بر الوالدين"للبخاري (تهذيب : 1 / 6)
(3) ذكر ابن حجر مما فاته من تآليف الإمام مسلم كتاب"الانتفاع بأهب السماع" (تهذيب : 1 / 6).

(1/149)


وعلامة ما أخرجه في كتاب التفرد ، وهو ما تفرد به أهل الامصار من السنن : (ف). وعلامة ما أخرجه في فضائل الانصار : (صد). وعلامة ما أخرجه في كتاب المسائل التي سأل عنها أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل : (ل). وعلامة ما أخرجه في مسند حديث مالك بن أنس : (كد) (1).
وعلامة ما أخرجه الترمذي في الجامع : (ت). وعلامة ما أخرجه
في كتاب الشمائل : (تم).
وعلامة ما أخرجه النسائي في كتاب السنن : (س). وعلامة ما أخرجه في كتاب عمل يوم وليلة : (سي). وعلامة ما أخرجه في كتاب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه : (ص).
وعلامة ما أخرجه في مسند علي رضي الله عنه : (عس). وعلامة ما أخرجه في مسند حديث مالك بن أنس : (كن) (2).
وعلامة ما أخرجه ابن ماجة القزويني في كتاب السنن (ق). وعلامة ما أخرجه في كتاب التفسير : (فق).
ولم يقع لي من مسند حديث مالك بن أنس لابي داود سوى جزء واحد ، وهو الاول ، ولا من تفسير ابن ماجة سوى جزءين منتخبين منه ، وما سوى ذلك مما سميته ها هنا ، فقد وقع لي كل واحد منهم بكماله ولله الحمد.
__________
(1) فات المؤلف من تآليف أبي داود كتاب"الزهد" ، وكتاب"دلائل النبوة" ، وكتاب"الدعاء"وكتاب"ابتداء الوحي" ، وكتاب"أخبار الخوارج.
ذكر ذلك ابن حجر في مقدمة تهذيب التهذيب : 1 / 6.
(2) قال الحافظ ابن حجر : وأفراد عمل اليوم والليلة للنسائي عن السنن وهو من جملة كتاب السنن في رواية ابن الاحمر وابن سيار ، وكذلك أفرد خصائص علي وهو من جملة المناقب في رواية ابن سيار ، ولم يفرد التفسير وهو من رواية حمزة وحده ولا كتاب"الملائكة"و"الاستعاذة"و"الطب"وغير ذلك وقد تفرد بذلك راو دون راو عن النسائي ، فما تبين لي وجه إفراده الخصائص وعمل اليوم والليلة !" (تهذيب : 1 / 6).

(1/150)


ولهؤلاء الأئمة الستة مصنفات عدة سوى ذلك منها ما لم أقف عليه ، ومنها ما وقفت عليه ولم أكتب منه شيئا ، إما لكونه ليس من غرض كتابنا هذا ، أو لكونه ليس فيه إسناد ، نحو : تاريخ البخاري الكبير ، وتاريخه الاوسط ، وتاريخه الصغير ، ونحو : كتابي الضعفاء ، له ، ونحو : كتاب الكنى لمسلم ، وكتاب التمييز له ، وكتاب الوحدان له ، وكتاب الأخوة له ، ونحو : كتاب الأخوة لابي داود ، وكتاب معرفة الاوقات له ، ونحو : كتاب العلل للترمذي وهو غير الذي ذكره في آخر الجامع. ونحو : كتاب الكنى للنسائي ، وكتاب أسماء الرواة والتمييز بينهم له ، وكتاب الضعفاء له ، وكتاب الأخوة له ، وكتاب الأغراب وهو ما أغرب شعبة على سفيان وسفيان على شعبة له ، ومسند منصور بن زاذان له ، وغير ذلك ، لان عامة من ذكروا روايته في هذه الكتب المصنفة على التراجم لا يجري في الاحتجاج به مجرى من ذكروا روايته في الكتب الستة ، وما تقدم ذكره معها من الكتب الصنفة على الابواب.
وقد جعلت على كل اسم كتبته بالحمرة رقما من الرقوم المذكورة أو أكثر بالسواد ، ليعرف الناظر إليه عند وقوع نظره عليه من أخرج له من هؤلاء الأئمة وفي أي كتاب من هذه الكتب أخرجوا له ، ثم أنص على ذلك نصا صريحا عند انقضاء الترجمة ، أو قبل ذلك على حسب ما تقتضيه الحال إن شاء الله تعالى.
وذكرت أسماء من روى عنه كل واحد منهم ، وأسماء من روى عن كل واحد منهم في هذه الكتب أو في غيرها على ترتيب حروف المعجم أيضا على نحو ترتيب الأسماء في الاصل. ورقمت عليها أو على بعضها رقوما بالحمرة يعرف بها في أي كتاب من هذه الكتب وقعت روايته عن ذلك الاسم المرقوم عليه ، ورواية ذلك الاسم

(1/151)


المرقوم عليه عنه. ثم ذكرت في تراجمهم روايتهم عنه ، أو روايته عنهم كذلك ، لتكون كل ترجمة شاهدة للاخرى بالصحة والاخرى شاهدة لها بذلك.
فإن كان للصحابي رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن غيره ، ابتدأت بذكر روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكرت روايته عن غيره راقما على ما يحتاج من ذلك إلى رقم. وإن كان الراوي ممن روى عنه هؤلاء الأئمة الستة أو بعضهم بغير واسطة ، ابتدأت بذكر روايتهم ، أو رواية من روى منهم عنه ، ثم ذكرت من روى عنه من غيرهم على الترتيب المذكور. وإن كان فيهم من روى عنه بغير واسطة ، ثم روى عنه بواسطة ابتدأت بذكر روايته عنه بغير واسطة ، ثم رقمت على اسم من روى عنه من الرواة عنه على نحو ما تقدم. وإن كان بعضهم قد روى عنه بغير واسطة ، وبعضهم قد روى عنه بواسطة ، ابتدأت بذكر من روى عنه منهم بغير واسطة كما تقدم ، ثم ذكرت من روى عنه منهم بواسطة في آخر الترجمة قائلا : وروى له فلان ، أو فلان وفلان إن كان أكثر من واحد.
واعلم : أن ما كان في هذا الكتاب من أقوال أئمة الجرح والتعديل ونحو ذلك ، فعامته منقول من كتاب"الجرج والتعديل" (1) لابي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي الحافظ ابن الحافظ ، ومن كتاب"الكامل" (2) لابي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني الحافظ ، ومن كتاب"تاريخ بغداد" (3) لابي بكر محمد بن علي بن ثابت
__________
(1) طبع بحيدر آباد 1956 1952.
(2) هو : الكامل في ضعفاء الرجال"ويسمى أيضا : الكامل في معرفة ضعفاء المحدثين وعلل الحديث" ، ومن الكتاب نسخ كثيرة ، رأينا نسخة نفيسة منه في مكتبة السلطان أحمد الثالث باستانبول ، رقم : 2943.
(3) طبع بالقاهرة سنة 1931 ، وفي خزانة كتبي نسخة مصورة عن مكتبة شيخ الاسلام عارف حكمت أضبط من المطبوعة وأكثر دقة.

(1/152)


الخطيب البغدادي الحافظ ، ومن كتاب"تاريخ دمشق" (1) لابي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر الدمشقي الحافظ.
وما كان فيه من ذلك منقولا من غير هذه الكتب الأربعة ، فهو أقل مما كان فيه من ذلك منقولا منها ، أو من بعضها.
ولم نذكر إسناد كل قول من ذلك فيما بيننا وبين قائله خوف التطويل.
وقد ذكرنا من ذلك الشئ بعد الشئ لئلا يخلو الكتاب من الاسناد على عادة من تقدمنا من الأئمة في ذلك.
وما لم نذكر إسناده فيما بيننا وبين قائله : فما كان من ذلك بصيغة الجزم ، فهو مما لا نعلم بإسناده عن قائله المحكي ذلك عنه بأسا ، وما كان منه بصيغة التمريض ، فربما كان في إسناده إلى قائله ذلك نظر ، فمن أراد مراجعة شيء من ذلك أو زيادة اطلاع على حال بعض الرواة المذكورين في هذا الكتاب ، فعليه بهذه الامهات الأربعة فإنا قد وضعنا كتابنا هذا متوسطا بين التطويل الممل ، والاختصار المخل.
وقد اشتمل هذا الكتاب على ذكر عامة رواة العلم ، وحملة الآثار ، وأئمة الدين ، وأهل الفتوى ، والزهد والورع والنسك ، وعامة المشهورين من كل طائفة من طوائف أهل العلم المشار إليهم من أهل هذه الطبقات ، ولم يخرج عنه منهم إلا القليل ، فمن أراد زيادة اطلاع على ذلك ، فعليه بعد هذه الكتب الأربعة بكتاب"الطبقات الكبير" (2) لمحمد بن سعد كاتب الواقدي ، وكتاب"التاريخ" (3) لابي
__________
(1) شهرته تغني عن التعريف به ، وقد طبع بعضه ، والهمم متوجهة لطبعه بعون الله.
(2) طبع بأوروبا وبيروت ، وتوفي ابن سعد سنة 230 كما هو مشهور.
(3) انظر : السخاوي : الاعلان بالتوبيخ ، ص : 588 وتوفي ابن أبي خيثمة سنة 279.

(1/153)


بكر أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب ، وكتاب "الثقات" (1) لابي حاتم محمد بن حبان البستي ، وكتاب"تاريخ مصر" (2) لابي سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبدالاعلى الصدفي ، وكتاب"تاريخ نيسابور" (3) للحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ ، وكتاب"تاريخ أصبهان" (4) لابي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني الحافظ ، فهذه الكتب العشرة أمهات الكتب المصنفة في هذا الفن.
وقد كان صاحب الكتاب رحمه الله ابتدأ بذكر الصاحبة أولا : الرجال منهم والنساء على حدة ، ثم ذكر من بعدهم على حدة. فرأينا ذكر الجميع على نسق واحد أولى ، لان الصحابي ربما روى عن صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيظنه من لا خبرة لا تابعيا فيطلبه في أسماء التابعين ، فلا يجده ، وربما روى التابعي حديثا مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم فيظنه من لاخبرة له صحابيا فيطلبه في أسماء الصحابة ، فلا يجده ، وربما تكرر ذكر الصحابي في أسماء الصحابة وفيمن بعدهم ، وربما ذكر الصحابي الراوي عن غير النبي صلى الله عليه وسلم في غير الصحابة ، وربما ذكر التابعي المرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحابة ، فإذا ذكر الجميع على نسق واحد ، زال ذلك المحذور وذكر في ترجمة كل إنسان منهم ما يكشف عن حاله إن كان صحابيا ، أو غير صحابي.
__________
(1) توفي ابن حبان البستي سنة 354 وكتابه الثقات طبع بعضه بحيدر آباد بأخرة.
(2) لابن يونس المتوفى سنة 347 تاريخان لمصر ، الاول خاص بأهلها ، والثاني خاص بالغرباء ، ولكن المؤرخين غالبا ما يعتبرونهما واحدا.
انظر : تذكرة الحفاظ للذهبي ص : 898 وتاريخ بغداد للخطيب : 6 / 75 وغيرهما.
(3) ضاع الاصل وبقي مختصره الذي اختصره أحمد بن محمد المعروف بالخليفة النيسابوري وقد طبع هذا المختصر في طهران سنة 1339 طبعة رديئة ونشره المستشرق فراي مرة أخرى ، وعندي نسخة خطية منه مصورة عن بروسة.
(4) هو"ذكر أخبار أصبهان"الذي طبع في ليدن بهولندا سنة 1931 ، وتوفي أبو نعيم سنة 430 وهو مشهور.

(1/154)


وقد رتبنا أسماء الرواة من الرجال في كتابنا هذا على ترتيب حروف المعجم في هذه البلاد (1) مبتدئين بالاول فالاول منها ، ثم رتبنا أسماء آبائهم وأجدادهم على نحو ذلك إلا أنا ابتدأنا في حرف الالف بمن اسمه أحمد ، وفي حرف الميم بمن اسمه محمد لشرف هذا الاسم على غيره ، ثم ذكرنا باقي الأسماء على الترتيب المذكور ، فإذا انقضت الأسماء ذكرنا المشهورين بالكنى على نحو ذلك ، فإن كان في أصحاب الكنى من اسمه معروف من غير اختلاف فيه ، ذكرناه في الأسماء ، ثم نبهنا عليه في الكنى ، وإن كان فيهم من لايعرف اسمه ، أو من اختلف في اسمه ، ذكرناه في الكنى خاصة ، ونبهنا على ما في اسمه من الاختلاف في ترجمته. ثم ذكرنا أسماء النساء على نحو ذلك. وربما كان بعض الأسماء يدخل في ترجمتين أو أكثر ، فنذكره في أولى التراجم به ، ثم ننبه عليه في الترجمة الاخرى.
وقد ذكرنا في أواخر الكتاب فصولا أربعة مهمة لم يذكر صاحب الكتاب شيئا منها ، وهي :
فصل فيمن اشتهر في النسبة إلى ابيه ، أو جده ، أو أمه ، أو عمه ، أو نحو ذلك ، مثل : ابن أبجر ، وابن الاجلح ، وابن أشوع ، وابن جريج ، وابن علية ، وغيرهم.
وفصل فيمن اشتهر بالنسبة إلى قبيلة ، أو بلدة ، أو صناعة ، أو نحو ذلك مثل : الأنباري ، والأنصاري ، والأوزاعي ، والزهري ، والشافعي ، والعدني ، والمقابري والصيرفي ، والفلاس ، وغيرهم.
وفصل فيمن اشتهر بلقب أو نحوه ، مثل : الاعرج ، والأعمش ، وبندار ، وغندر ، وغيرهم. ونذكر فيهم وفيمن قبلهم نحو ما ذكرنا في الكنى.
__________
(1) يعني بلاد المشرق ، ليميزه عن ترتيب الاندلسيين والمغاربة.

(1/155)


وفصل في المبهمات ، مثل : فلان عن أبيه ، أو عن جده ، أو عن أمه ، أو عن عمه ، أو عن خاله ، أو عن رجل ، أو عن امرأة ، ونحو ذلك. ونبه على اسم من عرفنا اسمه منهم.
وينبغي للناظر في كتابنا هذا أن يكون قد حصل طرفا صالحا من علم العربية : نحوها ولغتها وتصريفها ، ومن علم الاصول والفروع ، ومن علم الحديث ، والتواريخ ، وأيام الناس ، فإنه إذا كان كذلك ، كثر انتفاعه به ، وتمكن من معرفة صحيح الحديث وضعيفه ، وذلك خصوصية المحدث التي من نالها ، وقام بشرائطها ساد أهل زمانه في هذا العلم ، وحشر يوم القيامة تحت اللؤاء المحمدي إن شاء الله تعالى.

(1/156)


فصل
وهذه نبذة من أقوال الأئمة في هذا العلم تمس الحاجه إليها.
أخبرنا الشيخ الإمام شيخ الاسلام أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي في جماعة ، قالوا : أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن معمر (1) بن طبرزذ البغدادي قدم علينا دمشق أخبرنا الرئيس أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني ، أخبرنا أبو طالب محمد ابن محمد بن إبراهيم بن غيلان الهمداني البزاز ، أخبرنا أبو بكر محمد ابن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، حدثنا عبد الله بن روح المدائني ومحمد بن ربح البزاز ، قالا : حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن محمد بن إبراهيم التيمي أنه سمع علقمة بن وقاص يقول : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنما الاعمال بالنية ، وإنما لامرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه.
هذا حديث صحيح متفق على صحته من حديث يحيى بن سعيد
__________
(1) قيده الذهبي في "المشتبه" فقالك"وبالتثقيل : معمر بن سليمان..وعمر بن محمد بن معمر بن طبرزذ مسند وقته." (ص : 604 603).

(1/157)


الأنصاري قاضي المدينة ، وهو متواتر إليه ، رواه عنه العدد الكثير والجم الغفير (1). وأخرجه الإمام أحمد بن محمد بن حنبل في مسنده عن يزيد بن هارون بهذا الاسناد ، فوقع لنا موافقة له عالية. وأخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"عن عبد الله بن مسلمة القعنبي ، عن مالك بن أنس ، عن يحيى بن سعيد ، ومن طرق أخر عن يحيى. وأخرجه مسلم أيضا عن محمد بن عبد الله بن نمير عن يزيد بن هارون ، وقد وقع لنا بدلا عاليا جدا من حديث يزيد بن هارون ، عن يحيى بن سعيد ، كأن ابن طبرزذ شيخ مشايخنا من حيث العدد سمعه من أبي محمد بن حمويه الراوي عن الفربري صاحب البخاري ، ومن أبي أحمد الجلودي الراوي عن إبراهيم بن محمد بن سفيان صاحب مسلم ، وكأنا نحن سمعناه من أبي الوقت الراوي عن أبي الحسن الداوودي صاحب ابن حمويه ، ومن أبي عبد الله الفراوي (2) الراوي عن أبي الحسين الفارسي صاحب الجلودي ، ولله الحمد والمنة ، ولا يوجد الآن على وجه الارض إسناد لهذا الحديث أعلى من هذا الاسناد.
وأخبرنا الشيخ الإمام الرئيس الكبير أبو الغنائم المسلم (3) بن
__________
(1) لكنه غريب في أوله ، فقد قال الحفاظ : لم يرو هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من رواية عمر بن الخطاب ، ولا عن عمر إلا من رواية علقمة بن وقاص ، ولا عن علقمة إلا من رواية محمد بن إبراهيم التيمي ، ولا عن محمد إلا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري ، وعن يحيى انتشر ، فرواه جمع من الأئمة. وهو مخرج عند البخاري 1 / 7 ، 15 في بدء الوحي ، وفي الايمان ، وفي العتق ، وفي فضائل أصحاب النبي ، وفي النكاح ، وفي الايمان والنذور ، وفي الحيل ، ومسلم (1907) في الامارة ، وأخرجه أبو داود (2201) ، والترمذي (1647) ، وابن ماجه (2427) ، والنسائي 1 / 58 ، 60. وقول الحافظ في "الفتح"1 / 11 : ووهم من زعم أنه في "الموطأ"مغترا بتخريج الشيخين له والنسائي
من طريق مالك وهم منه رحمه الله ، فإنه في "الموطأ"ص 401 برواية محمد بن الحسن.(ش)
(2) الفراوي : نسبة إلى"فراوة"قيدها السمعاني في الانساب بضم الفاء وفتح الراء المهملة وتابعه ابن الاثير في اللباب. وفتح ياقوت الفاء في معجم البلدان وتابعه ابن عبد الحق في المراصد ، وقد اخترنا ضم الفاء لان السمعاني أعلم بتلك البلاد.
(3) بتشديد اللام وفتحها ، ولم يقيده الذهبي في "المشتبه" (ص : 588) مع أنه ذكر جملة ممن يقيد كذلك تفريقا لهم عمن يقيد"مسلم"بكسر اللام ، واستدركه عليه ابن حجر في التبصير : 4 / 1284 فقال : والمسلم بن أبي الفضل محمد بن المسلم بن علان بن مكي ، راوي مسند أحمد.
وقد ترجم له الذهبي في وفيات سنة 680 من تاريخ =

(1/158)


محمد بن المسلم بن مكي بن علان القيسي في جماعة قالوا : أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ ، أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين ، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا ، حدثنا هارون بن معروف ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن مسعر ، عن سعد بن إبراهيم ، قال : إنما يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الثقات.
رواه مسلم في مقدمة كتابه عن محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني وأبي بكر بن خلاد الباهلي كلاهما عن سفيان بن عيينة نحوه ، فوقع لنا بدلا عاليا.
وأخبرنا الشيخ الإمام أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد ابن البخاري المقدسي ، وأم أحمد زينب بنت مكي بن علي بن كامل الحراني قالا : أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ ، أخبرنا الحافظ أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الانماطي وأبو الحسن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن صرما الدقاق ، قالا : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن هزارمرد الصريفيني الخطيب ، أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن إسحاق بن حبابة (1) البزاز ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، حدثنا علي بن الجعد ، أخبرنا شعبة ، أخبرنا منصور بن المعتمر ، قال :
__________
= الاسلام وقيده بالتشديد ، والنسخة بخطه ، وقال : وسألت أبا الحجاج الحافظ عنه فقال : شيخ جليل نبيل من أكبر بيوتات الدمشقيين ، سمعنا منه مسند أحمد وغير ذلك" (الورقة : 78 من مجلد آيا صوفيا 3014) ، وترجم له في العبر أيضا : 5 / 332 ، وفي الكتابين قال في نسبه : أبو الغنائم المسلم بن محمد بن المسلم بن مكي بن خلف..بن علان"كما ورد هنا وليس ما ورد في التبصير لابن حجر قال أفقر العباد بشار عواد محقق هذا الكتاب : وهو ابن أخي السديد مكي بن المسلم بن مكي بن علان القيسي المتوفى سنة 652 آخر الرواة عن حافظ الشام أبي القاسم ابن عساكر وفاة.
(1) قيده الذهبي في "المشتبه" كما قيدناه : 206.

(1/159)


سمعت ربعيا يقول : سمعت عليا رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تكذبوا علي فإن من يكذب علي يلج النار" (1).
رواه البخاري عن علي بن الجعد ، به ، فوقع لنا موافقة له بعلو ، ورواه مسلم في مقدمة كتابه عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار كلاهما عن محمد بن جعفر غندر ، عن شعبة بن ، فوقع لنا عاليا جدا ، كأن ابن طبرزذ شيخ مشايخنا سمعه من أبي أحمد الجلودي الراوي عن إبراهيم بن محمد بن سفيان صاحب مسلم ، وكأنا نحن سمعناه من أبي عبد الله الفراوي الراوي عن أبي الحسين الفارسي صاحب الجلودي ولله الحمد.
وقال حفص بن عاصم ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : كفي بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" (2).
وقال أبو عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم" (3).
وقال عامر بن عبدة عن عبد الله بن مسعود : إن الشيطان ليمثل في صورة الرجل ، فيأتي القوم ، فيحدثهم بالحديث من الكذب فيتفرقون ، فيقول الرجل منهم : سمعت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث (4).
وقال هشام بن حسان عن محمد بن سيسرين : إن هذا العلم دين
__________
(1) أخرجه البخاري 1 / 178 في العلم : باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم ، ومسلم (1) في مقدمة صحيحه.(ش)
(2) رواه مسلم (5) في مقدمة صحيحه.
(3) رواه مسلم (6) في مقدمة صحيحه.
(4) أخرجه مسلم 1 / 12 في مقدمة صحيحه ، وفيه"ليتمثل"بدل"يمثل"وفي (م)"فينفرون"وما أثبتناه عن (د) ومسلم.

(1/160)


فانظروا عمن تأخذون دينكم (1).
وقال الأوزاعي ، عن سليمان بن موسى : لقيت طاووسا فقلت : حدثني فلان كيت وكيت (2) ، قال : إن كان مليا ، فخذ عنه (3).
وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه : أدركت بالمدينة مئة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث ، يقال : ليس من أهله.
وقال أبو إسماعيل الترمذي ، عن إسماعيل بن أبي أويس سمعت خالي مالك بن أنس يقول : إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
لقد أدركت عدد هذه الاساطين وأشار إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقول : قال فلان ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما أخذت عنهم شيئا ، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال كان أمينا ، لانهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن ، ويقدم علينا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، وهو شاب فنزدحم على بابه.
وقال عمرو بن علي : سمعت يحيى بن سعيد ، قال : سألت سفيان الثوري وشعبة ومالكا وسفيان بن عيينة عن الرجل لا يكون ثبتا في الحديث ، فيأتيني الرجل ، فيسألني عنه ؟ فقالوا : أخبر عنه أنه ليس بثبت.
وقال أبو همام الوليد بن شجاع : سمعت عبيد الله الاشجعي يذكر عن سفيان الثوري قال : ليس يكاد يفلت من الغلط أحد ، إذا كان الغالب على الرجل الحفظ ، فهو حافظ وإن غلط ، وإذا كان الغالب عليه الغلط ، ترك.
__________
(1) رواه مسلم في مقدمة صحيحه"باب بيان أن الاسناد من الدين.
(2) قد تفتح تاء"كيت"وقد تكسر وهما لغتان فيها.
(3) رواه مسلم في مقدمة صحيحه"باب بيان أن الاسناد من الدين" ، ومعظم الاقوال الآتية في مقدمات كتب الحديث فراجعها ، ولا سيما صحيح مسلم.

(1/161)


"وقال نعيم بن حماد عن عبد الرحمن بن مهدي : سألت أو سئل شعبة عمن يترك" (1) حديثه ، قال : إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون (2) فأكثر ، طرح حديثه ، وإذا اتهم بالكذب ، طرح حديثه ،"ومن روى حديثا غلطا مجتمعا عليه ، فتمادى في روايته ، طرح حديثه ، ومن أكثر من الغلط طرح حديثه" (3) ، وما كان غير هؤلاء فارووا عنه.
وقال أبو موسى محمد بن المثنى : سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : المحدثون ثلاثة : رجل حافظ متقن ، فهذا لا يختلف فيه ، والآخريهم ، والغالب على حديثه الصحة ، فهذا لا يترك حديثه ، ولو ترك حديث مثل هذا ، لذهب حديث الناس ، والآخر يهم ، والغالب على حديثه الوهم ، فهذا يترك حديثه.
وقال أحمد بن ملاعب البغدادي : سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين يقول : لا ينبغي أن يؤخذ الحديث إلا عن حافظ له ، أمين عليه ، عارف بالرجال.
وقال أحمد بن أبي الحواري (4) : سمعت مروان بن محمد يقول : لاغني لصاحب حديث عن صدق وحفظ وصحة كتب فإذا أخطأته واحدة وكانت فيه واحدة ، لم يضره إن لم يكن له حفظ ورجع إلى الصدق وكتبه صحيحة لم يضره إن لم يحفظ.
__________
(1) سقطت هذه العبارة من"د.
(2) في "د" : المعرفون.
(3) ما بين الحاصرتين ساقط من"د.
(4) قيد ناسخ"د"راء"الحواري"بالفتح. وذكره الذهبي في "المشتبه" : 257 وضبطه بالقلم بفتح الحاء المهملة ، ولكن لم يظهر في المطبوع ما يشير إلى حركة الراء.وقال ابن حجر في تبصير المنتبه (553) : الحواري : واحد الحواريين على الاصح. وكان بعض الحفاظ يقوله بفتح الراء.
وذكر ابن ناصر الدين في توضيحه لمشتبه الذهبي أن في حاء"الحواري"الفتح والكسر مع تخفيف الواو فيها وتشديد آخره مع كسر الراء ، ثم قال : وحكى الحسن بن محمد البكري ضم الحاء وفتح الراء ، وهو غريب. " (المجلد الاول ، الورقة : 226 من نسخة الظاهرية).
وأحمد بن أبي الحواري هذا هو : أحمد بن عبد الله بن ميمون التغلبي ، سيأتي في هذا المجلد (الرقم : 62).

(1/162)


وقال محمد بن أبان البلخي : سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول : من رأى رأيا ولم يدع إليه ، احتمل ، ومن رأى رأيا دعا إليه ، فقد استحق الترك.
وقال محمد بن عمرو الغزي ، عن رواد (1) بن الجراح : سمعت سفيان الثوري يقول : خذوا هذه الرغائب وهذه الفضائل عن المشيخة ، وأما الحلال والحرام ، فلا تأخذوه إلا عمن يعرف الزيادة فيه من النقص.
وقال الربيع بن سليمان المرادي : قال الشافعي (2) : ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا منها :
أن يكون من حدث به عالما بالسنة (3) ، ثقة في دينه ، معروفا بالصدق في حديثه ، عاقلا لما يحدث به ، عالما بما يحيل معاني الحديث من اللفظ ، أو (4) يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه (5) لا يحدث به على المعنى ، لانه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه لا يدرى (6) لعله يحيل الحلال إلى الحرام ، فإذا (7) أداه بحروفه ، لم (8) يبق فيه (9) وجه يخاف فيه إحالة
__________
(1) رواد : بتشديد الواو. وسيأتي ذكره في هذا الكتاب.
(2) الكلام بنصه في كتاب الرسالة للشافعي : 370 ، الفقرات : 1000 ، 1001 ، 1002.
(3)"عالما بالسنة"ليست في المطبوع من الرسالة.
(4) في المطبوع من الرسالة : وأن" ، وراجع تعليقي المرحوم الشيخ أحمد شاكر الذي يرجح فيه"أو.
(5) رجح الشيخ أحمد شاكر"كما سمع"وقال في تعليقه : في سائر النسخ"كما سمعه"والهاء ملصقة في الاصل ، وليست منه. قال بشار عواد : والظاهر أنها من الاصل بدلالة نقل المزي.
(6) في المطبوع من الرسالة : لم يدر.
(7) في الرسالة : وإذا.
(8) في الرسالة : فلم.
(9)"فيه"ليست في المطبوع من الرسالة.

(1/163)


الحديث (1). ويكون (2) حافظا إن حدث من حفظه ، حافظا لكتابه إن حدث من تابه ، إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم ، بريا (3) من أن يكون مدلسا يحدث عمن لقي بما لم يسمع (4) ، أو يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بما يحدث الثقات بخلافه عنه عليه السلام (5).
ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه ، حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن (6) عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته ، وليس (7) تلك العورة كذبا ، فيرد (8) بها حديثه ولا النصيحة في الصدق ، فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق فنقول (9) : لا نقبل من مدلس حديثا حتى يقول فيه : سمعت"أو"حدثني"ومن (10) كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم يقبل (11) حديثه.
ونقبل خبر الواحد ونستعمله ، تلقاه العمل أو لم يتلقه ، وهو مذهب أهل الحديث. قال الشافعي : وكان ابن سيرين والنخعي وغير
__________
(1) رجع محقق الرسالة"إحالته الحديث"وعلق بقوله : في النسخ المطبوعة"إحالة"بدون الضمير ، وهو ثابت في الاصل ونسخة ابن جماعة.
(2)"ويكون"ليست في المطبوع من الرسالة.
(3)"بريا"بتسهيل الهمزة وتشديد الياء.
(4) في المطبوع من الرسالة : يسمع منه.
(5) في الرسالة : ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي.
(6) تجاوز المزي الفقرات : 1032 1003 ، وما هنا هو بداية الفقرة : 1033 من الرسالة ، ص : 379.
(7) الرسالة : وليست.
(8) الرسالة : بالكذب فنرد.
(9) الرسالة : فقلنا.
(10) الرسالة ، فقرة : 1044.
(11) الرسالة : نقبل.

(1/164)


واحد من التابعين يذهبون إلى أن لا يقبلوا الحديث إلا عمن (1) عرف.
قال الشافعي : وما لقيت أحدا من أهل العلم يخالف هذا المذهب.
وقال أبو بكر الخلال عن عباس بن محمد الدوري : سمعت يحيى بن معين يقول : دخلت على أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ، فقلت له : أوصني ، قال : لاتحدث المسند إلا من كتاب. قال : وكذلك قال علي ابن المديني : قال لي سيدي أحمد بن حنبل : لا تحدث إلا من كتاب.
وقال أيوب ابن المتوكل ، عن عبد الرحمن بن مهدي : الحفظ الاتقان ، ولا يكون إماما من"حدث عن كل من رأى ، ولا من حدث بكل ما سمع" (2).
وقال صالح بن حاتم بن وردان : سمعت يزيد بن زريع يقول : لكل دين فرسان ، وفرسان هذا الدين أصحاب الأسانيد.
وقال البخاري : سمعت علي ابن المديني يقول : التفقه في معاني الحديث نصف العلم ، ومعرفة الرجال نصف العلم.
وقال أحمد بن محمد الأزرق : سمعت يحيى بن معين يقول : آلة الحديث الصدق والشهرة والطلب ، وترك البدع ، واجتناب الكبائر.
وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي : قال يحيى بن سعيد : لا تنظروا إلى الحديث ، ولكن انظروا إلى الاسناد ، فإن صح الاسناد وإ فلا تغتروا بالحديث إذا لم يصح الاسناد.
__________
(1) في م : إلا من عرف"وما أثبتناه من"د.
(2) العبارة التي بين الحاصرتين مكررة في "د".

(1/165)


وقال محمد بن عيسى المقرئ ، عن إسحاق بن بشر الرازي : قال عبد الله بن المبارك : ليس جودة الحديث [ قرب الاسناد ، جودة الحديث ] (1) صحة الرجال.
وقال أبو بكر بن خزيمة ، عن عبد الله بن هاشم الطوسي : كنا عند وكيع ، فقال : الأعمش أحب إليكم ، عن أبي وائل عن عبد الله ، أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ؟ فقلنا : الأعمش عن أبي وائل أقرب ، فقال : الأعمش شيخ ، وأبو وائل شيخ ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله : فقيه عن فقيه عن فقيه عن فقيه.
زاد غيره ، قال : وحديث يتداوله الفقهاء أحب إلينا من حديث يتداوله الشيوخ.
وقال علي بن خشرم (2) : سمعت وكيعا يقول : لا يكمل الرجل أو لاينبل حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه.
وقال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري : وليس لامة من الامم إسناد كإسنادهم ، يعني هذه الامة ، رجل عن رجل وثقة عن ثقة حتى يبلغ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته فيبين بذلك الصحيح والسقيم ، والمتصل والمنقطع ، والمدلس والسليم.
__________
(1) سقط من"م"من قوله"قرب"إلى قوله"الحديث.
(2) خشرم : بفتح الخاء وسكون الشين المعجمتين وفتح الراء ، سيأتي في هذا الكتاب.

(1/166)


فصل
فيما روي عن الأئمة في فضيلة هذه الكتب الستة
قال محمد بن أبي نصر الحميدي : سمعت الفقيه أبا محمد علي ابن أحمد بن سعيد الحافظ بالاندلس وقد جرى ذكر"الصحيحين"فعظم منهما ، ورفع من شأنهما.
وحكي أن سعيد ابن السكن (1) اجتمع إليه قوم من أصحاب الحديث ، فقالوا له : إن الكتب في الحديث قد كثرت علينا ، فلو دلنا الشيخ على شيء نقتصر عليه منها. فسكت عنهم ، ودخل إلى بيته ، فأخرج أربع رزم ، فوضع بعضها على بعض ، فقال : هذه قواعد الاسلام : كتاب البخاري وكتاب مسلم ، وكتاب أبي داود ، وكتاب النسائي.
وروينا عن إبراهيم بن معقل النسفي قال : سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول : خرجت كتاب"الجامع"في بضع عشرة سنة وجعلته فيما بيني وبين الله حجة.
وروينا عنه أنه قال : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : ما
__________
(1) في هامش النسخ المعتمدة جميعها تعليق نصه : هو أبو علي سعيد بن عثمان ابن السكن الحافظ. "قال بشار بن عواد : هو بغدادي نزل مصر ، وكان حافظا حجة توفي سنة 353 (الذهبي : تذكرة الحفاظ : 3 / 937 ، ووفيات سنة 253 من تاريخ الاسلام مجلد أيا صوفيا : 3008 بخط المؤلف).

(1/167)


أدخلت في كتاب"الجامع"إلا ما صح ، وتركت من الصحاح لحال الطول.
وقال أبو عبد الله بن مندة الحافظ : سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوري يقول : ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث.
وقال محمد بن الحسين الماسرجسي عن أبيه (1) : سمعت مسلم بن الحجاج يقول : صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاث مئة ألف حديث مسموعة.
وقال أحمد بن سلمة النيسابوري : رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما.
وقال أبو بكر محمد بن عبد العزيز الهاشمي المكي : سمعت أبا داود السجستاني بالبصرة ، وسئل عن رسالته التي كتبها إلى أهل مكة جوابا لهم ، فأملى علينا : سلام عليكم ، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما بعد : عافانا الله وإياكم ، فهذه الأربعة آلاف والثمان مئة حديث كلها من الاحكام ، فأما أحاديث كثيرة من الزهد والفضائل وغيرها من غير هذا ، فلم أخرجها ، والسلام عليكم ورحمة الله وصلى الله على محمد النبي وآله.
__________
(1) في حاشية النسخ : هو أبو علي الحسين بن محمد". قال بشار : هو أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن عيسى بن ماسرجس وإليه نسبوا النيسابوري صاحب المسند العظيم الذي قال الحاكم : إنه في ألف وثلاث مئة جزء لم يصنف في الاسلام مثله. توفي سنة 365. وهذه العبارة التي رواها عن أبيه في صحيح مسلم أوردها الحاكم في تاريخ نيسابور كما جاء في تذكرة الحفاظ : 3 / 956 ، وتاريخ الاسلام للذهبي ، الورقة 68 (أيا صوفيا : 3008).

(1/168)


وقال أبو بكر بن داسة : سمعت أبا داود يقول : كتبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس مئة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب ، يعني كتاب السنن ، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمان مئة حديث ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه ، ويكفي الانسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث : أحدها قوله صلى الله عليه وسلم : الاعمال بالنيات" ، والثاني قوله صلى الله عليه وسلم" : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (1) ، والثالث : قوله صلى الله عليه وسلم : لا يكون المرء (2) مؤمنا حتى يرضى لاخيه ما يرضى لنفسه" (3) ، والرابع : قوله صلى الله عليه وسلم : الحلال بين ، والحرام بين ، وبين ذلك أمور مشتبهات..الحديث" (4).
وقال أبو بكر الصولي : سمعت زكريا بن يحيى الساجي يقول : كتاب الله أصل الاسلام ، وكتاب السنن لابي داود عهد الاسلام.
وقال إسماعيل بن محمد الصفار : سمعت محمد بن إسحاق
__________
(1) أخرجه الترمذي (2318) ، وابن ماجه (3976) من حديث أبي هريرة وفي سنده ضعف لكن له شاهد من حديث الحسين بن علي عند أحمد 1 / 201 ، والطبراني ، ومن حديث أبي بكر عند الحاكم في الكنى ، ومن حديث أبي ذر عند الشيرازي ، ومن حديث علي بن أبي طالب عند الحاكم في تاريخه ، ومن حديث زيد بن ثابت عند الطبراني في الاوسط ، ومن حديث الحارث بن هشام عند ابن عساكر ، فهو صحيح بهذه الشواهد.(ش)
(2) في "د" : المؤمن.
(3) أخرجه البخاري 1 / 53 في الايمان : باب من الايمان أن يحب لاخيه ما يحب لنفسه ، ومسلم (44) في الايمان : باب وجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم... ، والطيالسي (2004) ، وأحمد 3 / 177 ، 207 ، 275 ، 278 ، والدارمي 2 / 307 ، وابن ماجه (65) ، وأبو عوانة 1 / 33 من حديث أنس بن مالك بلفظ"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه". وزاد أحمد وأبو عوانة والنسائي والإسماعيلي : من الخير".(ش)
(4) أخرجه البخاري 1 / 116 ، 119 في الايمان : باب فضل من استبرأ لدينه ، و4 / 248 في البيوع : باب الحلال بين والحرام بين ، ومسلم (1599) في المساقاة : باب أخذ الحلال وترك الشبهات من حديث النعمان بن بشير ولفظه بتمامه عن مسلم :
"إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس. فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه. ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام. كالراعي يرعى حول الحمى ، يوشك أن يرتع فيه.
الا وإن لكل ملك حمى. ألا وإن حمى الله محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة ، إذ صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".(ش)

(1/169)


الصغاني يقول : ألين لابي داود الحديث كما ألين داود الحديد.
وقال أبو سليمان الخطابي : سمعت ابن الاعرابي يقول ونحن نسمع منه هذا الكتاب يعني كتاب السنن وأشار إلى النسخة وهي بين يديه : لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله عزوجل ، ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم بتة. قال الخطابي : وهذا كما قال لا شك فيه ، لان الله تعالى أنزل كتابه تبيانا لكل شيء ، وقال : {ما فرطنا في الكتاب من شئ) {1) ، فأخبر سبحانه وتعالى وبحمده أنه لم يغادر شيئا من أمر الدين لم يتضمن بيانه الكتاب. إلا أن البيان على ضربين : بيان جلي ، تناوله الذكر نصا ، وبيان خفي اشتمل على معنى التلاوة ضمنا ، فما كان من هذا الضرب كان تفصيل بيانه موكولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو معنى قوله سبحانه وتعالى : {لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) {2). فمن جمع بين الكتاب والسنة فقد استوفى وجهي البيان. وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم ، وأمهات السنن ، وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدما سبقه إليه ، ولا متأخرا ، لحقه فيه.
قال أبو سليمان : واعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لابي داود كتاب شريف لم يصنف في حكم الدين كتاب مثله ، وقد رزق القبول من كافة الناس فصار حكما بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء. على اختلاف مذاهبهم ، ولكل فيه ورد ، ومنه مشرب ، وعلى معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب وكثير من مدن أقطار الارض فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل ، ومسلم ابن الحجاج ومن نحا نحوهما في جمع الصحيح على شرطهما في
__________
(1) سورة الانعام : الآية : 38.
(2) سورة النحل ، الآية : 44.

(1/170)


السبك والانتقاد ، إلا أن كتاب أبي داود أحسن وضعا ، وأكثر فقها ، وكتاب أبي عيسى أيضا كتاب حسن ، والله تعالى يغفر لجماعتهم ، ويحسن على جميل النية فيما سعوا له مثوبتهم برحمته.
ثم اعلموا أن الحديث عند أهله على ثلاثة أقسام : حديث صحيح ، وحديث حسن ، وحديث سقيم.
فالصحيح عندهم : ما اتصل سنده وعدلت نقلته.
والحسن منه : ما عرف مخرجه ، واشتهر رجاله ، وعليه مدار أكثر الحديث ، وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء. وكتاب أبي داود جامع لهذين النوعين من الحديث.
فأما السقيم منه ، فعلى طبقات شرها الموضوع ، ثم المقلوب (1) ، ثم المجهول. وكتاب أبي داود خلي منها ، برئ من جملة وجوهها ، وإن وقع فيه شيء من بعض أقسامها لضرب من الحاجة تدعوه إلى ذكره ، فإنه لا يألو أن يبين أمره ، ويذكر علته ، ويخرج من عهدته.
قال : ويحكى لنا عن أبي داود أنه قال : ما ذكرت في كتابي حديثا اجتمع الناس على تركه.
قال : وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبي داود الجوامع والمسانيد ونحوهما ، فتجمع تلك الكتب إني ما فيها من السنن والاحكام أخبارا وقصصا ومواعظ وآدابا (2). فأما السنن المحضة فلم
__________
(1) المقلوب نوعان ، الاول : أن يكون الحديث مشهورا براو فيجعل في مكانه آخر في طبقته ، والثاني : أن يؤخذ إسناد متن فيجعل على متن آخر وبالعكس. (انظر التفاصيل في تدريب الراوي : 191 فما بعد).
(2) تضم كتب"الجوامع"جميع أبواب الحديث المعروفة وهي : العقائد ، والاحكام ، والرقائق ، وآداب الطعام والشراب ، والتفسير والتاريخ والسير ، والشمائل ، والفتن ، والمناقب : أما المسانيد جمع مسند فهي تضم جميع أبواب الحديث أيضا لكنها مرتبة على أسماء الصحابة ، لذلك قال الخطابي هذه المقالة.

(1/171)


يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها ولم يقدر على تحصيلها واختصار مواضعها من أثناء تلك الاحاديث الطويلة ومن أدلة سياقها على حسب ما اتفق لابي داود ، ولذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الاثر محل العجب ، فضربت فيه أكباد الابل ، ودامت إليه الرحل.
وقال أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الادريسي الحافظ : محمد بن عيسى بن سورة الترمذي الحافظ الضرير ، أحد الأئمة الذين يقتدى بهم في علم الحديث ، صنف كتاب"الجامع"والتواريخ والعلل تصنيف رجل عالم منتق ، كان يضرب به المثل في الحفظ.
وقال أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي الحافظ : سمعت الإمام أبا إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري بهراة ، وجرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذي وكتابه ، فقال : كتابه عندي أنفع من كتاب البخاري ومسلم ، لان كتابي البخاري ومسلم لا يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم ، وكتاب أبي عيسى يصل إلى فائدته كل أحد من الناس.
وقال أبو الفضل بن طاهر أيضا : سألت الإمام أبا القاسم سعد ابن علي الزنجاني بمكة عن حال رجل من الرواة فوثقه ، فقلت : إن أبا عبد الرحمن النسائي ضعفه ، فقال : يا بني إن لابي عبد الرحمن في الرجال شرطا أشد من شرط البخاري ومسلم.
وقال الحاكم أبو عبد الله بن البيع الحافظ : سمعت أبا الحسن أحمد بن محبوب الرملي بمكة يقول : سمعت أبا عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي يقول : لما عزمت على جمع كتاب السنن استخرت الله تعالى في الرواية عن شيوخ كان في القلب منهم بعض الشئ ، فوقعت الخيرة على تركهم ، فنزلت في جملة من الحديث كنت أعلو فيه عنهم.

(1/172)


وقال عبد الغني بن سعيد المصري الحافظ : سمعت أبا علي الحسن بن خضر السيوطي يقول : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وبين يدي كتب كثيرة فيها كتاب السنن لابي عبد الرحمن ، فقال لي صلى الله عليه وسلم : إلى متى وإلى كم ، هذا يكفي ، وأخذ بيده الجزء الاول من كتاب الطهارة من السنن لابي عبد الرحمن ، فوقع في روعي أنه يعني كتاب السنن لابي عبد الرحمن أحب إليه.
وقال أبو الفضل بن طاهر المقدسي : رأيت على ظهر جزء قديم بالري حكاية كتبها أبو حاتم الحافظ المعروف بخاموش يعني أحمد بن الحسن بن محمد بن خاموش الرازي الواعظ قال أبو زرعة الرازي : طالعت كتاب أبي عبد الله بن ماجة ، فلم أجد فيه إلا قدرا يسيرا مما فيه شيء ، وذكر قريب بضعة عشر ، أو كلاما هذا معناه.
وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر : قرأت بخط أبي الحسن علي بن عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن بابويه (1) الرازي شاب كان يسمع معنا الحديث بالري سنة تسع وعشرين وخمس مئة قال أبو عبد الله بن ماجة : عرضت هذه النسخة على أبي زرعة فنظر فيه ، وقال : أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع كلها أو قال : أكثرها ثم قال : لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا مما في إسناده ضعف ، أو قال : عشرين أو نحو هذا من الكلام ، قال : وحكي أنه نظر في جزء من أجزائه وكان عنده في خمسة أجزاء (2).
هذا بعض ما حضرنا من أقوال الأئمة في فضيلة هذه الكتب الستة. وأما مناقب مصنفيها وفضائلهم ، فسيأتي ما تيسر من ذلك في ترجمة كل واحد منهم في مواضعها من الكتاب إن شاء الله تعالى.
__________
(1) قيد الذهبي بابويه في "المشتبه" : 38.
(2) علق الذهبي على هذه الحكاية بقولة : سنن أبي عبد الله كتاب حسن لولا ما كدره أحاديث واهية ليست بالكثيرة" (تذكرة 2 / 636).

(1/173)


فصل
وهذا حين نبتدئ بعون الله تعالى فيما له قصدنا من الأسماء بعد ذكر نسب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وذكر شيء من سيرته ومعجزاته على طريق الاختصار ، إذ الكتاب لم يوضع لذلك ، لكن أحببنا أن لا نخلي الكتاب من ذلك ، طلبا لبركته ، وتشرفا بذكره صلى الله عليه وسلم.
فأما نسبه :
فهو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف ، بن قصي ، بن كلاب ، بن مرة ، بن كعب ، بن لؤي ، بن غالب ، بن فهر بن مالك ، بن النضر ، بن كنانة ، بن خزيمة ، بن مدركة ، بن إلياس ، بن مضر ، بن نزار ، بن معد ، بن عدنان. إلى هنا أجمع أهل النسب ، وما وراء ذلك ، ففيه اختلاف كبير جدا.
قال أبو عمر بن عبد البر حافظ أهل المغرب (1) : قال محمد بن
عبدة بن سليمان النسابة : أجمع النسابون جميعا : العدنانية والقحطانية والاعاجم على أن إبراهيم خليل الله عليه السلام من ولد عابر بن شالخ ابن أرفخشذ بن سام بن نوح. قال (2) : وأجمعوا أن عدنان من ولد
__________
(1) الانباه على قبائل الرواة : 46.
(2) يعني محمد بن عبدة.

(1/174)


إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام إلا أنهم اختلفوا فيما بين عدنان وإسماعيل من الآباء ، فذكر عن طائفة سبعة آباء بينهما ، وذكر عن طائفة مثل ذلك إلا أنها خالفتها في بعض الأسماء ، وعن طائفة تسعة آباء مخالفة أيضا في بعض الأسماء ، وعن طائفة خمسة عشر أبا بين عدنان وإسماعيل.
ثم قال (1) : وأما الذين جعلوا بين عدنان وإسماعيل أربعين أبا ، فإنهم استخرجوا ذلك من كتاب رخيا ، وهو يورخ كاتب أرميا عليه السلام ، وكانا قد حملا معد بن عدنان من جزيرة العرب ليالي (2) بخت نصر فأثبت رخيا في كتبه نسبة عدنان ، فهو معروف عند أحبار (3) أهل الكتاب وعلمائهم مثبت في أسفارهم. قال : وقد وجدنا طائفة من علماء العرب تحفظ لمعد أربعين أبا بالعربية إلى إسماعيل ، وتحتج في أسمائهم بالشعر من شعر أمية بن أبي الصلت وغيره من علماء الشعراء (4) بأمر الجاهلية ومطالعة الكتب. وكل الطوائف يقولون : عدنان بن أدد ، إلا طائفة قالت : عدنان بن أد بن أدد.
قال أبو عمر (5) : وروى ابن لهيعة عن أبي الأسود أنه سمع عروة ابن الزبير يقول : ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء معد بن عدنان ، ولا ما وراء قحطان إلا تخرصا.
قال : وقال أبو الأسود يتيم عروة : سمعت أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة ، وكان من أعلم قريش بأشعارهم وأنسابهم ، يقول : ما وجدنا أحدا يعلم ما وراء معد بن عدنان في شعر شاعر ، ولا علم عالم.
__________
(1) يعني محمد بن عبدة أيضا.
(2) في الانباه : ليلا إلى.
(3) أحبار ، جمع حبر ، وفي الانباه : أخبار"مصحف.
(4) الانباه : الشعر"محرف.
(5) الانباه : 48 47.

(1/175)


قال أبو عمر (1) : وكان قوم من السلف ، منهم : عبد الله بن مسعود ، وعمرو بن ميمون الأودي ومحمد بن كعب القرظي ، إذا تلوا : {والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله) {2) ، قالوا : كذب النسابون.
قال : ومعنى هذا عندنا على غير ما ذهبوا إليه ، وإنما المعنى فيها والله أعلم تكذيب من ادعى إحصاء بني آدم ، فإنه لا يحصيهم إلا الذي خلقهم ، فإنه هو الذي أحصاهم وحده لا شريك له. وأما أنساب العرب ، فإن أهل العلم بأيامها وأنسابها قد وعوا ، وحفظوا جماهيرها ، وأمهات قبائلها ، واختلفوا في بعض فروع ذلك.
قال (3) : والذي عليه أئمة هذا الشأن في نسب عدنان ، قالوا : عدنان بن أدد بن مقوم ، بن ناحور ، بن تيرح ، بن يعرب ، بن يشجب ، ابن نابت ، بن إسماعيل ، بن إبراهيم خليل الرحمن ، بن تارح ، وهو ازر ، بن ناحور ، بن شاروخ ، بن راغو (4) ، بن فالخ (5) ، بن عيبر ، بن شالخ ، بن أرفخشذ ، بن سام ، بن نوح بن لامك ، بن متوشلخ بن خنوخ وهو إدريس النبي صلى الله عليه وسلم فيما يزعمون والله أعلم وكان أول بني آدم أعطي النبوة بعد آدم وشيث وخط بالقلم ابن يرد بن مهليل ، بن قينن (6) ، بن يانش ، بن شيث ، بن آدم صلى الله عليه وسلم.
قال ابن هشام (7) : حدثنا زياد بن عبد الله البكائي ، عن محمد
__________
(1) نفسه : 49.
(2) سورة إبراهيم ، الآية : 9.
(3) الانباء : 50 49.
(4) في المطبوع من الانباه : أرغو" ، وفي سيرة ابن هشام : راعو"ولكن انظر ما سيأتي من الشعر نقلا عن الانباه : وأرغو فناب في الحروب محكم"مما يدل على أن الذي ذكره ابن عبد البر هو"أرغو.
(5) الانباه : فالغ"وسيأتي في القصيدة كذلك أيضا فهو الاصح.
(6) الانباه : قينان"وسيأتي في الشعر أنه قينان.
(7) نقل المزي هذا النص من الانباه لابن عبد البر أيضا : 50 ، وهو في السيرة : 1 / 3.

(1/176)


ابن إسحاق المطلبي بهذا الذي ذكرت من نسب عدنان إلى آدم وما فيه من حديث إدريس وغيره.
قال أبو عمر (1) : ومن أحسن ما جاء في ذلك ما نظمه أبو العباس عبد الله بن محمد الناشئ في قصيدة يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي قوله :
مدحت رسول الله أبغي بمدحه • وفور حظوظي من كريم المآرب
مدحت امرءا فاق المديح موحدا • بأوصافه عن مبعد أو (2) مقارب
نبيا تسامى في المشارق نوره • فلاحت هواديه لاهل المغارب
أتتنا به الانباء قبل مجيئه • وشاعت به الاخبار في كل جانب
وأصبحت الكهان تهتف باسمه • وتنفي به رجم الظنون الكواذب وأنطقت الاصنام نطقا تبرأت • إلى الله فيه من مقال الاكاذب
وقالت لاهل الكفر قولا مبينا • أتاكم نبي من لؤي بن غالب
ورام استراق السمع جن فزيلت • مقاعدهم منها رجوم الكواكب
هدانا إلى ما لم نكن نهتدي له • لطول العمى من واضحات المذاهب
وجاء بآيات تبين أنها • دلائل جبار مثيب معاقب
فمنها انشقاق البدر حين تعممت • شعوب الضيا منه رؤوس الاخاشب ومنها نبوع الماء بين بنانه • وقد عدم الرواد قرب المشارب
فروى به جما غفيرا وأسهلت • بأعناقه طوعا أكف المذانب
وبئر طغت بالماء من مس سهمه • ومن قبل لم تسمح بمذقة شارب
وضرع مراه فاستدر ولم تكن • به درة تصغي إلى كف حالب
ونطق فصيح من ذراع مبينة • لكيد عدو للعداوة ناصب
__________
(1) الانباه : 50 فما بعد.
(2) الانباه : و.
(3) الانباه : يكن.

(1/177)


وإخباره بالامر من قبل كونه • وعند بواديه بما في العواقب
ومن تلكم الآيات وحي أتى به • قريب المآتي مستجم العجائب
تقاصرت الافكار عنه فلم يطع • بليغا ولم يخطر على قلب خاطب
حوى كل علم واحتوى كل حكمة • وفات مرام المستمر الموارب
أتانا به لا عن روية مرتئ • ولا صحف مستمل ولا رصف (1) كاتب
يواتيه طورا في إجابة سائل • وإفتاء مستفت ووعظ مخاطب
وإتيان برهان وفرض شرائع • وقص أحاديث ونص مآرب
وتصريف أمثال وتثبيت حجة • وتعريف ذي جحد وتوقيف كاذب
وفي مجمع النادي وفي حومة الوغى • وعند حدوث المعضلات الغرائب.
فيأتي على ما شئت من طرقاته • قويم المعاني مستدر الضرائب
يصدق منه البعض بعضا كأنما • يلاحظ معناه بعين المراقب
وعجز الورى عن أن يجيئوا بمثل ما • وصفناه معلوم بطول التجارب
تأبى بعبد الله أكرم والد • تبلج منه عن كريم المناسب
وشيبة ذي الحمد الذي فخرت به • قريش على أهل العلى والمناصب ومن كان يستسقى الغمام بوجهه • ويصدر عن آرائه في النوائب
وهاشم الباني مشيد افتخاره • بعز (2) المساعي وامتهان (3) المواهب وعبد مناف وهو علم قومه • اشتطاط الاماني واحتكام الرغائب
وإن قصيا من كريم غراسه • لفي منهل لم يدن من كف قاضب
به جمع الله القبائل بعد ما • تقسمها نهب الاكف السوالب
وحل كلاب من ذرى المجد معقلا • تقاصر عنه كل دان وغائب
ومرة لم يحلل مريرة عزمه • سفاه سفيه أو محوبة حائب وكعب
علا عن طالب المجد كعبه • فنال بأدنى السعي أعلى المراتب
__________
(1) الانباه : وصف"وما هنا أحسن.
(2) الانباه : بغر.
(3) الانباه : وامتنان.

(1/178)


وألوى لؤي بالعداة فطوعت • له همم الشم الانوف الاغالب
وفي غالب بأس أبى البأس دونهم • يدافع عنهم كل قرن مغالب
وكانت لفهر في قريش خطابة • يعوذ بها عند اشتجار المخاطب
وما زال منهم مالك خير مالك • وأكرم مصحوب وأكرم صاحب وللنضر طول يقصر الطرف دونه • بحيث التقى ضوء النجوم الثواقب لعمري لقد أبدى كنانة بعده (1) محاسن تأبى أن تطوع لغالب
ومن قبله أبقى خزيمة بعده • تليد تراث عن حميد الاقارب
ومدركة لم يدك الناس مثله • أعف وأعلى عن دني المكاسب
وإلياس كان اليأس منه مقارنا • لاعدائه قبل اعتداد الكتائب
وفي مضر يستجمع الفخر كله • إذا اعتركت يوما زحوف المناقب
وحل نزار من رئاسة قومه • محلا تسامى عن عيون الرواقب
وكان معد عدة لوليه • إذا خاف من كيد العدو المحارب
وما زال عدنان إذا عد فضله • توحد فيه عن قرين وصاحب
وأد تأدى الفضل منه بغاية • وإرث حواه عن قروم أشايب
وفي أدد حلم تزين بالحجا • إذا الحلم أزهاه قطوب الحواجب
وما زال يستعلي هميسع بالعلى • ويبلغ (2) آمال البعيد المراغب
ونبت بنته دوحه العز وابتنى • معاقله في مشمخر الاهاضب
وحيزت لقيذار سماحة حاتم • وحكمة لقمان وهمه حاجب
هم نسل إسماعيل صادق وعده • فما بعده في الفخر مسعى لذاهب وكان خليل الله أكرم من عنت • له الارض من ماش عليها وراكب وتارح ما زالت له أريحية • تبين منه عن حميد الضرائب
وناحور نحار العدى حفظت له • مآثر لما يحصها عد حاسب
وأشرع في الهيجاء ضيغم غابة • يقد الطلى بالمرهفات القواضب
__________
(1) هكذا في النسخ ، وفي الانباه : قبله"وهو الاصح.
(2) الانباه : ويتبع".

(1/179)


وأرغو فناب (1) في الحروب محكم • ضنين على نفس المشيح (2) المغالب
وما فالغ (3) في فضله تلو قومه • ولا عابر من دونه (4) في المراتب وشالخ وارفخشذ وسام سمت بهم • سجايا حمتهم كل زار وعائب
وما زال نوح عند ذي العرش فاضلا • يعدده في المصطفين الاطايب
ولمك أبوه كان في الروع رائعا • جريئا على نفس الكمي المضارب
ومن قبل لمك لم يزل متوشلخ • يذود العدى بالذائدات الشوازب (5) وكانت لادريس النبي منازل • من الله لم تقرن بهمة راغب
ويارد بحر عند أهل سراته • أبي الخزايا مستدق المآرب
وكانت لمهلاييل فيهم فضائل • مهذبة من فاحشات المثالب
وقينان (6) من قبل اقتنى مجد قومه • وفات بشأو الفضل وخد (7) الركائب
وكان أنوش ناش للمجد نفسه • ونزهها عن مرديات المطالب
وما زال شيث بالفضائل فاضلا • شريفا بريئا من ذميم المعايب
وكلهم من نور آدم اقتبسوا • وعن عوده أجنوا ثمار المناقب
وكان رسول الله أكرم منجب • جرى في ظهور الطيبين المناجب
مقابلة آباؤه ، أمهاته (8} مبرأة من فاضحات المثالب
عليه سلام الله في كل شارق • آلاح لنا ضوءا وفي كل غارب
قال أبو عمر (9) : وقد اختلف في قريش ، فقال أكثر الناس :
__________
(1) الانباه : ناب.
(2) الانباه : المشح.
(3) قد مر عند ذكر النسب"فالخ"والظاهر أن هذا هو المختار عند ابن عبد البر ، فهو الاصح.
(4) الانباه : دونهم.
(5) في الانباه : الشوارب"بالراء ، مصحف. والشوازب : جمع الشازب وهو الخشن والضامر اليابس.
(6) قد مر رسمه"قينن"وكان ورد في الانباه هناك"قينان"ورسم في النسخ هنا"قينان"أيضا ، فكأنهم استعاضوا هاك بالفتحة عن الالف.
(7) الانباه : وخذ"بالذال المعجمة ، وما هنا أصح لانه يشير إلى سير الابل.
(8) الانباه : وأمهاته"ولا يستقيم البيت بها.
(9) الانباة : 66.

(1/180)


كل من كان من ولد النضر بن كنانة ، فهو قرشي ، وحجتهم في ذلك حديث الاشعث بن قيس الكندي ، قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة فقلت : ألستم منا يا رسول الله ؟ فقال : لا ، نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من ابينا" (1).
وقال مصعب الزبيري (2) : كل من لم ينسب إلى فهر ، فليس بقرشي.
وقال علي بن كيسان : فهر هو أبو قريش ، ومن لم يكن من ولد فهر ، فليس من قريش.
قال أبو عمر : وهذا أصح الاقاويل في النسبة لا في المعنى الذي من أجله سميت قريش قريشا ، والدليل على صحة هذا القول أنه لا يعلم اليوم قرشي في شيء من كتب النسب ينسب إلى أب فوق فهر دون لقاء فهر ، ولذلك قال مصعب وابن كيسان والزبيربن بكار ، وهم أعلم الناس بهذا الشأن وأوثق من ينسب علم ذلك إليه ، إن فهر بن مالك جماع قريش كلها باسرها.
قال (3) : واختلفوا فيما سميت له قريش قريشا ، فقال قوم : إنما سميت بذلك لتجمعها (4) بمكة ، والتجمع : التقرش ، دليل ذلك قول أبي خلدة اليشكري :
إخوة قرشوا الذنوب علينا • في حديث من دهرنا وقديم
__________
(1) أخرجه أحمد في المسند 5 / 211 و212 ، وابن ماجه (2612) في الحدود : باب من نفى رجلا من قبيلة ، من طريق حماد بن سلمة عن عقيل بن طلحة السلمي عن مسلم بن هيضم عن الاشعث بن قيس ، وهذا سند صحيح كما قال البوصيري في الزوائد (ش).
(2) هذا القول وقول علي بن كيسان الذي بعده نقله المؤلف من الانباه أيضا ، فراجعه : 67.
(3) الانباه : 68.
(4) في الانباه : لتجمعهم.

(1/181)


وقال حذافة بن غانم العدوي :
أبوبكم قصي كان يدعى مجمعا • به جمع الله القبائل من فهر
قال أبو عمر : قصي اسمه زيد ، وإنما قيل له : قصي ، لانه كان قاصيا عن قومه في قضاعة ، ثم قدم مكة وقريش متفرقون ، فجمعهم إلى الكعبة ، فسمي مجمعا. وقد قيل غير هذا.
وقال بعض قريش : إنما سميت قريش قريشا بقريش بن الحارث بن مخلد بن النضر بن كنانة ، وكان دليل بني النضر ، وصاحب ميرتهم ، فكانت (1) العرب تقول : قد جاءت عير قريش وقد خرجت عير قريش ، قال : وابنه بدر بن قريش به سميت بدر التي كانت بها الوقعة المباركة هذا (2) الذي احتفرها.
وقال آخرون : النضر بن كنانة كان يقال له القرشي.
وقال آخرون : قصي كان يقال له القرشي.
قال أبو عمر (3) : المقدم من قريش بنو هاشم وهم فصيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعشيرته الاقربون ، وآله الذين تحرم عليهم الصدقة ، قال أهل العلم في معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا تحل الصدقة لمحمد ولالآل محمد" (4) قالوا (5) : هم بنو هاشم آل العباس وآل أبي طالب وبنو أبي لهب وبنو الحارث بن عبدالمطلب وآل علي وآل عقيل وآل
__________
(1) في "د" ،"وكانت"وما هنا من"م"والانباه.
(2) في الانباه : هو.
(3) الانباه : 70 69.
(4) أخرجه مسلم (1072) في الزكاة : باب ترك استعمال آل النبي في الصدقة ، وأحمد 4 / 166 من حديث عبدالمطلب بن الربيعة (ش).
(5) في الانباه : قال"وليس بشيء لقوله أولا : قال أهل العلم".

(1/182)


جعفر وكل بني عبدالمطلب وسائر بني هاشم. قال : وقيل أيضا : بنو عبدالمطلب فصيلته ، وبنو هاشم فخذه ، وبنو عبد مناف بطنه ، وقريش عمارته ، وبنو كنانة قبيلته ، ومضر شعبه.
أخبرنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي ، أخبرنا القاضي أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري ، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله المشكاني الخطيب في كتابه إلينا من مشكان (1) ، مدينة من كور همذان ، أخبرنا القاضي أبو منصور محمد بن الحسن بن محمد بن يونس النهاوندي قدم علينا مشكان سنة ست وسبعين وأربع مئة ، أخبرنا القاضي أبو العباس أحمد بن الحسين بن زنبيل (2) النهاوندي ، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الخليل القاضي يعرف بابن الاشقر سنة اثنتي عشرة وثلاث مئة ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، قراءة في سنة ثمان وأربعين ومئتين ، حدثني سليمان بن عبد الرحمن حدثني الوليد بن مسلم وشعيب بن إسحاق قالا : حدثنا الأوزاعي ، حدثني شداد أبو عمار ، حدثني واثلة ابن الأسقع رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى هاشما من قريش (3) ، واصطفاني من بني هاشم.
__________
(1) مشكان : بضم وسكون الشين المعجمة ، هكذا قيدها ياقوت وغيره.
(2) قال الذهبي في "المشتبه" : وبزاي ونون (زنبيل) راوي تاريخ البخاري : أبو العباس أحمد بن الحسين بن أحمد بن زبيل النهاوندي عن أبي القاسم ابن الاشقر ، عنه." ، (ص : 308). وتوهم المحقق الشيخ البجاوي ففتح الزاي من"زنبيل"والصحيح فيها الكسر ، قال ابن ناصر الدين في التوضيح لمشتبه الذهبي : الزاي مكسورة تليها النون ساكنة ، ثم استدرك على الذهبي قوله"راوي تاريخ البخاري"بسبب أن للبخاري ثلاثة تواريخ : كبير ، وأوسط ، وصغير ، وهذا الرجل كان راويا للتاريخ الصغير.
(م 2 الورقة : 23 من نسخة الظاهرية).
(3) في صحيح مسلم (رقم : 2276) : واصطفى من قريش بني هاشم ، واللفظ هناك لشيخه محمد بن مهران الرازي.

(1/183)


هكذا رواه البخاري في "التاريخ"ورواه مسلم عن محمد بن عبد الرحمن بن سهم الانطاكي ومحمد بن مهران الرازي ، كلاهما عن الوليد بن مسلم به.
ورواه الترمذي عن البخاري ، عن سليمان بن عبد الرحمن ، عن الوليد وحده به ، فوقع لنا موافقة له عالية.

(1/184)


فصل
وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة.
وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل ، في ربيع الاول ، يوم الاثنين لليلتين خلتا منه.
وقيل : لاثنتي عشرة ليلة خلت منه.
وقيل : ولد بعد الفيل بثلاثين سنة ، وقيل بأربعين. والاول أشهر.
ومات أبوه عبد الله بن عبدالمطلب وقد أتى له ثمانية وعشرون شهرا ، وقيل أقل من ذلك.وقيل : مات أبوه وهو حمل.
وأرضعته ثويبة جارية أبي لهب وأرضعت معه عمه حمزة بن عبد المطلب وأبا سلمة بن عبد الاسد.
وأرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية ، وأقام عندها في بني سعد أربع سنين ، ثم ردته إلى أمه حين شق عن فؤاده.
وخرجت أمه إلى المدينة تزور أخواله ، فتوفيت بالابواء وهي راجعة إلى مكة وله صلى الله عليه وسلم ست سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام.
وقيل : ماتت أمه وله أربع سنين. فلما ماتت حملته أم أيمن إلى مكة بعد وفاة أمه بخمسة أيام.
وتوفي جده عبدالمطلب وله صلى الله عليه وسلم ثماني سنين ، وأوصى به إلى عمه أبي طالب.

(1/185)


فصل
في أسمائه صلى الله عليه وسلم
روى البخاري ومسلم في "صحيحيهما"من حديث الزهري ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن لي أسماء : أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي أحشر الناس ، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي" (1).
وروى مسلم في "صحيحه"من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، عن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه. قال : سمى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماء منها ما حفظنا ، فقال : أنا محمد ، وأنا أحمد ، والمقفي ، ونبي الرحمة ، ونبي التوبة ، ونبي الملحمة" (2).
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن محمد بن سليمان العامري ، أخبرنا القاضي أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري ، أخبرنا الحافظ أبو الحسن علي بن سليمان بن
__________
(1) أخرجه البخاري 6 / 403 و406 و8 / 492 في تفسير سورة الصف ، وفي الانبياء : باب ما جاء في أسماء النبي صلى الله عليه وسلم ، ومسلم (2354) في الفضائل : باب أسمائه صلى الله عليه وسلم ، والترمذي (2840) في الجامع و(359) في "الشمائل" (ش).
(2) نص حديث أبي موسى الاشعري في صحيح مسلم بالاسناد الذي ذكره المزي فيه اختلاف عما هنا ، وهو في الصحيح ، رقم (2355) ونصه : أنا محمد ، وأحمد ، والمقفي ، والحاشر ، ونبي التوبة ، ونبي الرحمة.
وأخرجه الترمذي في "الشمائل" (360) من حديث حذيفة بلفظ"أنا محمد ، وأنا أحمد ، وأنا نبي الرحمة ، ونبي التوبة ، وأنا المقفي ، وأنا الحاشر ، ونبي الملاحم"وهو حسن. والملاحم : جمع ملحمة (ش).

(1/186)


أحمد المرادي ، أخبرنا فقيه الحرم أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الفراوي. قال القاضي أبو القاسم : وأنبأنا أبو عبد الله الفراوي هذا وأبو محمد عبد الجبار بن محمد بن أحمد الخواري إذنا ، قالا : أخبرنا الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول : قال الخليل بن أحمد : خمسة من الانبياء ذوو اسمين اسمين : محمد وأحمد نبينا صلى الله عليه وسلم ، وعيسى والمسيح عليه السلام ، وإسرائيل ويعقوب صلى الله عليه ، ويونس وذو النون صلى الله عليه وإلياس وذو الكفل صلى الله عليه.
قال أبو زكريا : ولنبينا صلى الله عليه وسلم خمسة أسماء في القرآن : محمد وأحمد وعبد الله وطه ويس. قال الله عزوجل في ذكر محمد صلى الله عليه وسلم : {محمد رسول الله) {1) ، وقال : {ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) {2) ، وقال الله تعالى في ذكر عبد الله : {وأنه لما قام عبد الله (يعني النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن) يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا) {3). وإنما كانوا يقعون بعضهم على بعض كما أن اللبد متخذ من الصوف فيوضع بعضه على بعض فيصير لبدا. وقال عز وجل : {طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) {4) ، والقرآن إنما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره ، وقال الله عزوجل : {يس) {5) يعني يا
__________
(1) سورة الفتح ، الآية : 29. وقلنا : ومنها أيضا : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل" (آل عمران : 144) ، و{ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله) {الاحزاب : 40) ، و{وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم) {محمد : 2).
(2) سورة الصف ، الآية : 6.
(3) سورة الجن ، الآية : 19.
(4) طه : 2 1. وقال الإمام الذهبي : وقيل : طه لغة لعك ، أي يا رجل ، فإذا قلت لعكي : يا رجل ، لم يلتفت ، فإذا قلت له : طه ، التفت إليك.
نقل هذا ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. والكلبي متروك. فعلى هذا القول لا يكون طه من أسمائه. (تاريخ الاسلام : 2 / 10).
(5) سورة يس ، الآية : 1.

(1/187)


إنسان ، والانسان ها هنا العاقل وهو محمد صلى الله عليه وسلم {إنك لمن المرسلين) {1).
قال الحافظ أبو بكر : وزاد غيره من أهل العلم فقال : سماه الله تعالى في القرآن رسولا نبيا أميا ، وسماه : شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، وسماه : رؤوفا رحيما ، وسماه : نذيرا مبينا ، وسماه مذكرا ، وجعله رحمة ونعمة وهاديا ، وسماه : عبدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيرا (2).
__________
(1) سورة يس ، الآية : 3.
(2) انظر الفصل الذي كتبه الذهبي في تاريخ الاسلام : 2 / 11 8.

(1/188)


فصل
ونشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيما يكفله جده عبدالمطلب ، وبعده عمه أبو طالب بن عبدالمطلب ، وطهره الله من دنس الجاهلية ومن كل عيب ومنحه كل خلق جميل حتى لم يكن يعرف بين قومه إلا بالامين لما شاهدوا من طهارته وصدق حديثه وأمانته.
فلما بلغ اثنتي عشرة سنة ، خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام حتى بلغ بصرى فرآه بحيرا الراهب فعرفه بصفته ، فجاء وأخذ بيده ، وقال : هذا سيد العالمين ، هذا رسول رب العالمين ، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقيل له : وما علمك بذلك ؟ قال : إنكم حين أقبلتم من العقبة لم يبق شجرة ولا حجر إلا خر ساجدا ولا يسجدن إلا لنبي ، وإنا نجده في كتبنا. وسأل أبا طالب ، فرده خوفا عليه من اليهود (1). ثم خرج ثانيا إلى الشام مع ميسرة غلام خديجة في تجارة لها قبل أن يتزوجها حتى بلغ إلى سوق بصرى ، فباع تجارته.
فلما بلغ خمسا وعشرين سنة تزوج خديجة. فلما بلغ أربعين سنة اختصه الله بكرامته ، وابتعثه برسالته ، فأتاه جبريل عليهما السلام وهو
__________
(1) أخرجه الترمذي برقم (3620) ورجاله ثقات لكن في متنه غرابة فقد مؤرخ الاسلام الإمام الذهبي : تفرد به قراد واسمه عبد الرحمن بن غزوان (وهو) ثقة احتج به البخاري والنسائي ، ورواه الناس عن قراد وحسنه الترمذي. وهو حديث منكر جدا"ثم نقند الحديث نقدا داخليا بارعا وحلل وقائعه ولغته واستقصى الاختلاف في ذلك ، فراجعه تجد فائدة إن شاء الله (تاريخ الاسلام : 2 / 27 فما بعد). وانظر أيضا"البداية"2 / 284 ، 285 للحافظ ابن كثير.

(1/189)


بغار حراء ، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة ، وقيل : خمس عشرة ، وقيل : عشرا ، والصحيح الاول.
وكان يصلى إلى بيت المقدس مدة إقامته بمكة ، ولا يستدبر الكعبة ، بل يجعلها بين يديه. وصلى إلى بيت المقدس أيضا بعد قدومه المدينة سبعة عشر شهرا ، أو ستة عشر شهرا.
ثم هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن الاريقط الليثي وهو على دين قومه ولم نعرف له إسلاما ، فأقام بالمدينة عشر سنين.
وتوفي وهو ابن ثلاث وستين (سنة) (1) ، وقيل : ابن خمس وستين ، وقيل : ابن ستين. والاول أصح. وكانت وفاته يوم الاثنين حين اشتد الضحى لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الاول ، وقيل : لليلتين خلتا منه ، وقيل : لاستهلاله. ودفن ليلة الاربعاء ، وقيل : ليلة الثلاثاء. وكانت مدة علته اثني عشر يوما ، وقيل : أربعة عشر يوما. وغسله (2) : علي ، والعباس وابناه الفضل وقثم ابنا العباس ، وأسامة بن زيد بن حارثة وشقران مولياه ، وحضرهم أوس بن خولي الأنصاري. وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من ثياب سحول بلدة باليمن ، ليس فيها قميص ولا عمامة. وصلى عليه المسلمون أفذاذا لم يؤمهم عليه أحد. وفرش تحته قطيفة حمراء كان يتغطاها (3). ودخل قبره علي ، والعباس وابناه الفضل وقثم ، وشقران وأطبق عليه تسع لبنات. ودفن في الموضع الذي توفاه الله فيه ، حول فراشه ، وحفر له ولحد في بيته الذي كان بيت عائشة. ثم دفن معه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
__________
(1) ليس في "د.
(2) قارن السيرة لابن هشام : 2 / 662 فما بعد.
(3) أخرج مسلم (967) في الجنائز عن ابن عباس قال : جعل في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء"والقطيفة : كساء له خمل ، وهذه القطيفة ألقاها شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : كرهت أن يلبسها أحد بعده (ش).

(1/190)


فصل
في ذكر أولاده صلى الله عليه وسلم
وكان له صلى الله عليه وسلم من البنين ثلاثة :
القاسم ، وبه كان يكنى. ولد بمكة قبل النبوة ، ومات بها وهو ابن سنتين.
وعبد الله ، ويسمى : الطيب ، والطاهر ، لانه ولد في الاسلام.
وقيل : إن الطيب والطاهر غيره ، والصحيح الاول.
وإبراهيم ، ولد بالمدينة ، ومات بها سنة عشر وهو ابن سبعة عشر ، أو ثمانية عشر شهرا.
وكان له من البنات أربع بلا خلاف :
زينب : تزوجها أبو العاص بن الربيع بن عبدالعزى بن عبد شمس ، وهو ابن خالتها وأمه هالة بنت خويلد ، فولدت له عليا ، مات صغيرا ، وأمامة التي حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة وبقيت حتى تزوجها علي بعد موت فاطمة.
وفاطمة الزهراء رضوان الله عليها : تزوجها علي فولدت له : الحسن ، والحسين ، ومحسنا مات صغيرا ، وأم كلثوم تزوجها عمر بن الخطاب.
وزينب تزوجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب.

(1/191)


ورقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم : تزوجها عثمان بن عفان ، فماتت عنده.
وأم كلثوم : تزوجها عثمان أيضا بعد رقية فماتت عنده. وولدت له رقية ابناه فسماه عبد الله وبه كان يكنى.
وأول من ولد له صلى الله عليه وسلم : القاسم ، ثم زينب ثم رقية ، ثم فاطمة ، ثم أم كلثوم ، ثم في الاسلام : عبد الله ، ثم إبراهيم بالمدينة. وأولاده كلهم من خديجة إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية. وكلهم ماتوا قبله إلا فاطمة ، فإنها عاشت بعده ستة أشهر على الصحيح.
وقيل غير ذلك.

(1/192)


فصل
في حججه وعمره صلى الله عليه وسلم
روى البخاري ومسلم من حديث همام بن يحيى ، عن قتادة قال : قلت لانس بن مالك : كم حج النبي صلى الله عليه وسلم من حجة ؟ (1).
قال : حجة واحدة ، واعتمر أربع عمر ، اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم حيث صده المشركون عن البيت ، والعمرة الثانية حيث صالحوه من العام المقبل ، وعمرة من الجعرانة (2) حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة ، وعمرته مع حجته (3). يعني بذلك بعدما هاجر إلى المدينة ، وأما ما حج واعتمر قبل الهجرة ، فلم يحفظ على الصحيح.
__________
(1) بكسر الحاء المهملة ، وهي من الشواذ لان القياس الفتح كما في مختار الصحاح. وفي نسخة"د"وجدنا الحاء المهملة مفتوحة ، وليس بشيء ، وقال الفيروز آبادي في القاموس : والحجة : المرة الواحدة شاذ لان القياس الفتح.
(2) الجعرانة : ماء بين الطائف ومكة وهي إلى مكة أقرب ، قال ياقوت : بكسر أوله إجماعا ثم إن أصحاب الحديث يكسرون عينه ويشددون راءه ، وأهل الاتقان والادب يخطئونهم ويسكنون العين ويخففون الراء. وقد حكي عن الشافعي أنه قال : المحدثون يخطئون في تشديد الجعرانة وتخفيف الحديبية. ثم قال ياقوت : والذي عندنا أنهما روايتان جيدتان. حكى إسماعيل ابن القاضي عن علي ابن المديني أنه قال : أهل المدينة يثقلونه ويثقلون الحديبية وأهل العراق يخففونهما ومذهب الشافعي تخفيف الجعرانة. وسمع من العرب من قد يثقلها...وأما في الشعر فلم نسمعها إلا مخففة. (معجم البلدان : 2 / 85) قلت : ولما كان المزي من أهل الحديث فقد ضبطناها بضبطهم.
(3) البخاري 7 / 338 في المغازي : باب غزوة الحديبية ، وفي العمرة : باب كم اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي الجهاد : باب عن قسمة الغنيمة في غزوة وسفره ، ومسلم (1253) في الحج : باب بيان عدد عمر النبي صلى الله عليه وسلم وأزمانهن (ش).

(1/193)


فصل
في غزواته صلى الله عليه وسلم
وغزا صلى الله عليه وسلم بنفسه خمسا وعشرين غزوة فيما قاله موسى بن عقبة ، ومحمد بن إسحاق ، وأبو معشر المدني ، وغير واحد.
وقيل : سبعا وعشرين ، والمشهور الاول. قاتل في تسع منها : في بدر ، وأحد ، والخندق ، وبني قريظة ، وبني المصطلق ، وخيبر ، وفتح مكة ، وحنين ، والطائف.وقيل : إنه قاتل أيضا بوادي القرى ، والغابة ، وبني النضير.
وأما البعوث والسرايا فنحو خمسين.

(1/195)


فصل
في ذكر كتابه ورسله صلى الله عليه وسلم
وكتب له صلى الله عليه وسلم :
أبو بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وأبي بن كعب ، وثابت بن قيس بن شماس ، وعامر بن فهيرة ، وعبد الله بن الأرقم الزهري ، وخالد بن سعيد بن العاص الأموي ، وشرحبيل بن حسنة ، وحنظلة بن الربيع الاسيدي ، وزيد بن ثابت ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وكانا ألزمهم لذلك وأخصهم به.
وبعث (1) صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري رسولا إلى النجاشي ، فأخذ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه على عينيه ونزل عن سريره فجلس على الارض وأسلم وحسن إسلامه ، وكان إسلامه (2) عندما هاجر إلى أرضه جعفر بن أبي طالب وأصحابه. وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم يوم مات (3). وروي أنه كان لا يزال يرى النور على قبره.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك
__________
(1) انظر سيرة ابن هشام : 2 / 607 606.
(2) انظر التفاصيل في تاريخ الاسلام للذهبي : 2 / 122 121.
(3) انظر المسند 1 / 461 ، وسنن أبي داود (3205) في الجنائز : باب في الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك ، وصلاة النبي على النجاشي ، رواه جماعة من الصحابة رضي الله عنهم ، وقد أخرجه من حديث أبي هريرة : البخاري 3 / 163 ، ومسلم (951) ، وأبو داود (3204) ، والطيالسي (2300) ، وابن ماجه (1534) ، والنسائي 4 / 70 ، والترمذي (1022) ، وأخرجه من حديث جابر عبد الله : البخاري 3 / 163 ، ومسلم (952) ، وأحمد =

(1/196)


الروم ، واسمه هرقل ، فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبتت عنده صحة نبوته ، فهم بالاسلام فلم توافقه الروم على ذلك ، وخافهم على ملكه فأمسك (1).
وبعث صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حدافة السهمي إلى كسرى ملك فارس ، فمزق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فدعا عليه رسول الله أن يمزق الله ملكه كل ممزق ، فمزق الله ملكه وملك قومه (2).
وبعث صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة اللخمي إلى المقوقس ملك الاسكندرية ومصر ، فقال خيرا وقارب الامر ولم يسلم ، وأهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم مارية القبطية (3) وأختها سيرين فوهبها لحسان بن ثابت ، فولدت له عبد الرحمن بن حسان ، وهو ابن خالة إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم (4).
__________
= 3 / 295 و3319 ، وأخرجه من حديث عمران بن حصين مسلم (9553) ، والنسائي 4 / 70 ، وابن ماجه (1535) ، والترمذي (1039). وأخرجه عن حذيفة بن أسيد : أحمد 4 / 7 ، وابن ماجه (1537) ، وأخرجه عن مجمع بن حارثة الأنصاري ، أحمد 4 / 64 و5 / 376 ، وابن ماجه (1536). وأخرج أحمد 4 / 260 و263 بسند حسن عن جرير بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أخاكم النجاشي قد مات فاستغفروا له". وقد اختار غير واحد من العلماء أن الغائب إن مات ببلد لم يصل عليه فيه ، صلي عليه صلاة الغائب كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي لانه مات بين الكفار ولم يصل عليه. وإن صلي عليه حيث مات لم يصل عليه صلاة الغائب لان الفرض قد سقط بصلاة المسلمين عليه (ش).
(1) هو في حديث ابن عباس الطويل عن أبي سفيان في بدء الوخي ، ومسلم (1773) في الجهاد والسير : باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه إلى الاسلام (ش).
(2) أخرجه البخاري 8 / 96 في المغازي : باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر من حديث الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن ابن عباس أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي ، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين ، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى ، فلما قرأه ، مزقه ، فحسب (القائل هو الزهري) أن ابن المسيب قال : فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق (ش).
(3) في "د" : القطبية ، سبق قلم من الناسخ.
(4) انظر ابن سيد الناس 2 / 265 و266 ، وشرح المواهب 3 / 348 ، 350 ، ونصب الراية 4 / 421 ، 422 (ش).

(1/197)


وبعث صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ملكي عمان جيفر وعبد (1) ابني الجلندى الأزديين ، والملك يومئذ جيفر ، فأسلما وصدقا وخليا بين عمرو بن العاص وبين الصدقة والحكم فيما بينهم ، فلم يزل عندهم حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم (2).
وبعث صلى الله عليه وسلم سليط بن عمرو العامري إلى اليمامة ، إلى هوذة بن علي الحنفي ، فأكرمه وأنزله ، وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم : ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله ، وأنا خطيب قومي وشاعرهم فاجعل لي بعض الامر. فأبى النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يسلم هوذة ، ومات زمن الفتح (3).
وبعث صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك البلقاء من أرض الشام. قال شجاع : فانتهيت إليه وهو بغوطة دمشق فقرأ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم رمى به ، وقال : أنا أسير إليه ، وعزم على ذلك فمنعه قيصر (4).
وبعث صلى الله عليه وسلم المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث الحميري ، أحد مقاولة اليمن.
وبعث صلى الله عليه وسلم بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين ، وكتب إليه كتابا يدعوه إلى (5) الاسلام ، فأسلم وصدق (6).
وبعث صلى الله عليه وسلم أبا موسى الاشعري ومعاذ بن جبل الأنصاري إلى
__________
(1) في سيرة ابن هشام : عياذ.
(2) انظر ابن سيد الناس 2 / 267 ، 269 ، وشرح المواهب 3 / 352 و355 ، ونصب الراية 4 / 423 ، 424 (ش).
(3) انظر ابن سيد الناس 2 / 269 و270 ، وشرح المواهب 3 / 355 و356 (ش).
(4) انظر ابن سيد الناس 2 / 70 ، وشرح المواهب 3 / 356 ، 357 (ش).
(5) ليس في "د.
(6) انظر شرح المواهب 3 / 324.

(1/198)


جملة اليمن داعيين إلى الاسلام ، فأسلم عامة أهل اليمن : ملوكهم وعامتهم طوعا من غير قتال (1).
__________
(1) أخرجه البخاري 6 / 113 في الجهاد : باب ما يكره من التنازع والاختلاف ، و8 / 51 و10 / 435 و13 / 143 ، ومسلم(1733) في الجهاد : باب في الامر بالتيسير وترك التنفير من طريق سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذا إلى اليمن ، فقال : يسرا ولا تعسرا"وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا ولا تختلفا" (ش).

(1/199)


فصل
في ذكر أعمامه وعماته صلى الله عليه وسلم
وكان له صلى الله عليه وسلم من العمومة أحد عشر ، منهم :
الحارث بن عبدالمطلب : أمه سمراء بنت جنيدب بن حجير بن رئاب بن سواءة بن عامر بن صعصعة. وهو أكبر ولد عبدالمطلب ، وبه كان يكنى.
ومن ولده ولد ولده جماعة لههم صحبة من النبي صلى الله عليه وسلم.
وقثم : هلك صغيرا ، وهو شقيق الحارث.
والزبير : وكان من أشراف قريش. وابنه عبد الله بن الزبير شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم حنينا وثبت يومئذ ، واستشهذ بأجنادين ، وروي أنه وجد إلى جنب سبعة قد قتلهم وقتلوه. وابنته ضباعة بنت الزبير لها صحبة ، وأم الحكم بنت الزبير ، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وحمزة بن عبدالمطلب : أسد الله وأسد رسوله. أمه هالة بنت أهيب ابن عبد مناف بن زهرة بن كلاب. وهو أخول رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة. أسلم قديما ، وهاجر إلى المدنية ، وشهد بدرا وأحدا ، وقتل يومئذ شهيدا. ولم يكن له إلا ابنة.
والعباس : أسلم وحسن إسلامه ، وهاجر إلى المدينة. وكان أسن من النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين. وكان له عشرة من الذكور.
وأبو طالب : واسمه عبد مناف ، وهو شقيق عبد الله والد رسول

(1/200)


الله صلى الله عليه وسلم ، وشقيق عاتكه صاحبة الرؤيا في بدر ، أمهم فاطمة بنت عمرو ابن عائذ بن عمران بن مخزوم.
وأبو لهب : واسمه عبدالعزى ، وكنيته أبو عتبة ، كناه أبوه أبا لهب لحسن وجهه.وأمه ليلى ، ويقال : لبني ، بنت هاجر بن عبد مناف بن حناطر بن حبشية بن سلوان (1) بن كعب بن سلول بن عمرو الخزاعي. ومن ولده : عتبة ومعتب (2) ابنا أبي لهب ، وكانا ممن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين.ودرة بنت أبي لهب ، لها صحبة ، وهي التي كان علي بن أبي طالب خطبها على فاطمة.وعتيبة بن أبي لهب قتله الاسد بالزرقاء من أرض الشام على كفره بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم عليه.
وعبد الكعبة بن عبدالمطلب : وهو المقوم ، وقيل : إنهما اثنان ، وهو شقيق حمزة.
وحجل : واسمه المغيرة ، وهو شقيق حمزة أيضا ، لابقية له.
والغيداق : سمي بذلك لانه كان أجود قريش وأكثرهم طعاما.وقيل : هو (3) حجل والغيداق لقبه.وقال الزبير بن بكار عن عمه مصعب بن عبد الله : اسمه مصعب ، قال : وقال غيره من قريش : اسمه نوفل.وأمه ممنعة بنت عمرو بن مالك بن مؤمل ، من خزاعة.
وضرار : وهو شقيق العباس أيضا ، لا بقية له.
وعماته صلى الله عليه وسلم ست :
صفية بنت عبدالمطلب : أسلمت وهاجرت ، وقيل : لم يسلم منهن غيرها.وهي أم الزبير بن العوام.توفيت بالمدينة في خلافة عمر
__________
(1) في "د" : سلول.
(2) قيده ابن حجر في الاصابة كما قيدناه : بضم الميم وفتح العين وتشديد التاء.
(3) في "د" : (إنه).

(1/201)


ابن الخطاب سنة عشرين ولها ثلاث وسبعون سنة.وهي شقيقة حمزة.
وعاتكه بنت عبدالمطلب : صاحبة الرؤيا في بدر.قيل : إنها أسلمت أيضا.
وكانت عند أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم ، فولدت له : عبد الله ، له صحبة ، وزهيرا ، وقريبة (1) الكبرى.
وأروى بنت عبدالمطلب : كانت عند عمير بن وهب بن عبد الدار بن قصي فولدت له : طليب بن عمير ، وكان من المهاجرين الاولين شهد بدرا ، وقتل بأجنادين ، وليس له عقب.
وأميمة بنت عبدالمطلب : كانت عند جحش بن رئاب بن يعمر ابن صبرة فولدت له : عبد الله بن جحش قتل بأحد شهيدا ، وأبا أحمد بن جحش الاعمى الشاعر واسمه عبد ، وزينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وحبيبة بنت جحش ، وحمنة (2) بنت جحش ، لهم صحبة ، وعبيد الله بن جحش أسلم ثم تنصر ومات بالحبشة نصرانيا.
وبرة بنت عبدالمطلب : كانت عند عبد الاسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، فولدت له : أبا سلمة واسمه عبد الله وكان زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة.وتزوجها بعد عبد الاسد أبورهم بن عبدالعزى بن أبي قيس بن عبدود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي ، فولدت له : أبا سبرة واسمه عبد الله ، له صحبة وهو ممن شهدا بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأم حكيم بنت عبدالمطب.وهي البيضاء كانت عند كريز بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ، فولدت له : عامرا ، وأم طلحة واسمها : أرنب ، وأروى وهي أم عثمان بن عفان.
__________
(1) ضبطنا الاسم وقيدناه من مشتبه الذهبي : 527.
(2) في "د" : خمنة"والضبط من مشتبه الذهبي : 250.

(1/202)


فصل
في ذكر أزواجه صلى الله عليه وسلم ورضي عنهن (1)
وأول من تزوج صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى ابن قصي بن كلاب تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة ، وبقيت عنده حتى أكرمه الله تعالى بنبوته ، وكانت له وزير صدق.
وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين ، وقيل بأربع ، وقيل : بخمس ، والاول أصح.
ثم تزوج سودة بنت زمعة بن قيس بن عبدشمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بعد خديجة بمكة قبل الهجرة.وكانت قبله عند السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو.وكبرت ، وأراد طلاقها ، فوهبت يومها لعائشة فأمسكها.
وتزوج عائشة بنت أبي بكر الصديق بمكة قبل الهجرة ، وبنى بها بالمدينة بعد الهجرة.
وتزوج حفصة بنت عمر بن الخطاب ، وكانت قبله عند خنيس ابن حذافة السهمي ، وكان ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وتوفي بالمدينة.
وتزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان ، واسمها رملة بنت صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.هاجرت مع زوجها عبيد
__________
(1) خص رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أمته بجمع أكثر من أربع زوجات ، وأحل له فيهن ما شاء ، وأفاض المؤرخون في ذكرهن رضي الله عنهن ، فانظر مثلا سيرة ابن هشام : 2 / 648 643 ، والاستيعاب لابن عبد البر : 1 / 44 فما بعد.

(1/203)


الله بن جحش إلى أرض الحبشة ، فتنصر هناك ثم مات نصرانيا ، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بأرض الحبشة ، وأصدقها عنه النجاشي أربع مئة دينار (1) ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها عمرو بن أمية الضمري إلى أرض الحبشة ، وولي نكاحها عثمان بن عفان.
وقيل : خالد بن سعيد ابن العاص.وتوفيت بالمدينة قبل أخيها معاوية.
وتزوج أم سلمة ، واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الاسد.وتزوج زينب بنت جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة ، وهي بنت عمته أميمة بنت عبدالمطلب ، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة وقصتها مشهورة 2).
وماتت في خلافة عمر.
وتزوج زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبدمناف بن هلال بن عامر بن صعصعة.وكانت تسمى أم المساكين لكثرة إطعامها المساكين.وكانت قبله عند عبد الله بن جحش ، وقيل : عند الطفيل بن الحارث ، والاول أصح.تزوجها سنة ثلاث من الهجرة ، ولم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة ثم ماتت (3).
وتزوج جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب الخزاعية ثم المصطلقية ، سبيت في غزوة بني المصطلق ، فوقعت في سهم ثابت بن
__________
(1) أخرج أبو داود (2107) في النكاح : باب الصداق ، والنسائي 6 / 119 في النكاح : باب القسط في الاصدقة من حديث أم حبيبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بأرض الحبشة ، زوجها النجاشي ، وأمهرها أربعة آلاف ، وجهزها من عنده ، وبعث معها شرحبيل بن حسنة ، ولم يبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ، وكان مهور نسائه أربعمئة درهم.وفي رواية : أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش ، فمات بأرض الحبشة ، فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم ، وأمهرها عنه أربعة آلاف ، وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حسنة.وإسناده صحيح ((ش).
(2) انظر صحيح مسلم (1428) في النكاح : باب زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش ، والنسائي 6 / 79 ، والبخاري 13 / 348 في التوحيد : باب وكان عرشه على الماء (ش).
(3) ولم يمت أحد من أزواجه صلى الله عليه وسلم في حياته غيرها وغير خديجة قبلها.

(1/204)


قيس بن شماس ، فكاتبها ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها وتزوجها (1).
وتزوج صفية بنت حيي بن أخطب النضرية من ولد هارون بن عمران أخي موسى بن عمران عليهما السلام ، سبيت في غزوة خيبر سنة سبع من الهجرة (2). وكانت قبله تحت كنانة بن أبي الحقيق ، قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقها ، وجعل عتقها صداقها (3).
وتزوج ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رؤيبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة ، وهي خالة خالد بن الوليد ، وعبد الله بنت عباس.تزوجها بسرف (4) وبنى بها فيه ، وماتت به (5) ، وهو ماء على تسعة أميال من مكة.وهي آخر من تزوج من أمهات المؤمنين ، وآخر من مات منهن على المشهور ، وقيل : أم سلمة آخر من مات منهن.رضي الله عنهن.
فهؤلاء جملة من دخل بهن من النساء وهن إحدى عشرة ، وعقد على سبع ولم يدخل بهن (6).
__________
(1) انظر ابن هشام 2 / 294 ، 295 ، ومسند أحمد 6 / 277.
(2) كانت قد وقعت في سهم دحية بن خليفة الكلبي ، فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعتقها وتزوجها سنة سبع.
(3) أخرجه البخاري 7 / 360 في المغازي : باب غزوة خيبر ، و9 / 111 في النكاح : باب من جعل عتق الامة صداقها ، ومسلم (1365) في النكاح : باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها من حديث أنس بن مالك (ش).
(4) معجم البلدان لياقوت : 3 / 77 وذكر هناك زواج النبي صلى الله عليه وسلم وبنائه بها.
(5) أخرجه مسلم (1411) ، وأبو داود (1843) ، والترمذي (845) ، وابن ماجه (1964) ، عن يزيد بن الاصم ، عن ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال ، وبنى بها حلالا ، وماتت بسرف.وقد خطأ العلماء ابن عباس في قوله : إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم مع أن حديثه متفق عليه.انظر بسط ذلك في "زاد المعاد"5 / 112 ، 113 ، طبع مؤسسة الرسالة بتحقيقنا (ش).
(6) قال ابن عبد البر : وأما اللواتي اختلف فيهن ممن ابتنى بها وفارقها أو عقد عليها ولم يدخل بها ، أو خطبها ولم يتم له العقد منها ، فقد اختلف فيهن ، وفي أسباب فراقهن اختلافا كثيرا يوجب التوقف عن القطع بالصحة في واحدة منهن" (الاستيعاب : 1 / 46).

(1/205)


فصل
في ذكر خدمه صلى الله عليه وسلم من الاحرار
وكان يخدمه صلى الله عليه وسلم من الاحرار :
أنس بن مالك بن النضر الأنصاري ، وربيعة بن كعب ، وهند بن حارثة ، وأخوه أسماء بن حارثة ، الأسلميون ، وأبو ذر الغفاري ، وبلال بن رباح المؤذن ، وسعد مولى أبي بكر الصديق ، وذو مخبر ، ويقال : ذو مخمر الحبشي ابن أخي النجاشي ، ويقال : ابن أخته ، وبكير ، ويقال : بكر ، ابن شداخ لليثي.
وكان عبد الله بن مسعود صاحب نعليه ، كان إذا قام ألبسه إياهما ، وإذا جلس جعلهما في ذراعيه حتى يقوم.
وكان عقبة بن عامر الجهني صاحب بغلته يقود به في الاسفار.
وكان أبو أيوب الأنصاري صاحب رحله.

(1/206)


فصل
في ذكر مواليه وإمائه صلى الله عليه وسلم (1)
فمن مواليه صلى الله عليه وسلم : زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي ، وابنه أسامة ابن زيد وكان يقال له : الحب ابن الحب ، وثوبان بن بجدد ، وكان له نسب في اليمن ، وأبو كبشة ، يقال : اسمه سليم ، وكان من مولدي مكة ويقال : من مولدي أرض دوس ، شهد بدرا ، وأنسنة ، من مولدي أرض السراة ، وشقران ، واسمه (2) صالح ، ورباح ، وكان أسود ، ويسار ، وكان نوبيا ، وأبو رابع ، واسمه أسلم ، ويقال : إبراهيم ، وكان للعباس فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه ، وأبو مويهبة ، وكان من مولدي مزينة ، وفضالة ، نزل الشام ، ورافع ، كان لسعيد بن العاص فورثه ولده فأعتقه بعضهم وتمسك بعضهم ، فجاء رافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينه فوهب له ، فكان يقول : أنا مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، ومدعم ، أسود وهبه له رفاعة بن زيد الجذامي ، وكان من (3) مولدي حسمى (4) ، قتل بوادي القرى ، وكزكرة ، كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم ، وزيد ، جد بلال بن
__________
(1) انظر"زاد المعاد"1 / 114 وما بعدها ، طبع مؤسسة الرسالة بتحقيقنا (ش).
(2) هكذا جزم المزي فقال : واسمه صالح" ، وقال ابن عبد البر : قيل : اسمه صالح فيما ذكر خليفة بن خياط ومصعب" (الاستيعاب : 2 / 09 7).
(3) سقط حرف الجر"من"من"م.
(4) بكسر الحاء المهملة وسكون السين المهملة ، وهو مقصور : أرض ببادية الشام بينها وبين وادي القرى ليلتان على ما ذكر ياقوت وابن عبد الحق البغدادي.

(1/207)


يسار بن زيد ، وعبيد ، وأبو عبيد ، وأبو السمح ، ومابور القبطي ، أهداه إليه المقوقس ، وهشام ، وأبو ضميرة ، وحنين ، وأبو عسيب ، واسمه أحمر ، وسفينة مولى أم سلمة أم المؤمنين ، أعتقته واشترطت عليه أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم حياته ، فقال : لو لم تشترطي علي ما فارقته ، وواقد ، وأبو واقد ، ومولى يقال له : طهمان ، أو كيسان ، أو مهران ، أو ذكوان أو مروان.
فهؤلاء المشهورون من مواليه ، وقيل : إنهم (1) كانوا أربعين.
وكان له من الاماء : أم رافع ، زوج أبي رافع ، واسمها سلمى ،
وأم أيمن ، واسمها بركة ، ورثها من ابيه ، وكانت حاضنته صلى الله عليه وسلم ، وهي أم أسامة بن زيد ، وميمونة بنت سعد ، ويقال : بنت سعيد ، وخضرة ، ورضوى ، رضي الله عنهم أجمعين (2).
__________
(1)"إنهم"ليس في "م.
(2) إلى هنا ينتهي الجزء الاول من الكتاب حسب تقسيم المؤلف ، وجاء في "د" : آخر الجزء الاول من تهذيب الكمال في أسماء الرجال ، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، يتلوه في الجزء الثاني إن شاء الله : فصل في ذكر أفراسه ودوابه وسلاحه صلى الله عليه وسلم".ثم تجئ بعد ذلك ، وفي صفحة مستقلة ، طبقة سماع لصاحب النسخة وجملة من الفضلاء والفضليات على المؤلف المزي في مجلسين آخرهما يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شعبان سنة 741 ، ثم خط المؤلف المزي بصحة السماع والاجازة.ويتلو ذلك صفحة مستقلة فيها عنوان الجزء الثاني ، ثم يبدأ الجزء في صفحة أخرى بالبسملة.

(1/208)


فصل
في ذكر أفراسه ودوابه وسلاحه صلى الله عليه وسلم
أول فرس ملكه صلى الله عليه وسلم : السكب ، اشتراه من أعرابي من بني فزارة بعشر أواق ، وكان (1) اسمه عند الاعرابي : الضرس ، فسماه : السكب.وكان أعز محجلا مطلق اليمين ، وهو أول فرس غزا عليه (2).
وكان له : سبحة (3) ، وهو الذي سابق عليه فسبق ففرح بذلك.
والمرتجز (4) ، وهو الذي اشتراه من أعرابي من بني مرة ، فشهد له عليه خزيمة بن ثابت.
وكان له : الورد (5) ، أهداه له تميم الداري (6) فأعطاه عمر بن لخطاب ، فحمل عليه في سبيل الله ، فوجده يباع (7).
__________
(1) ليس في "د.
(2) كان ذلك في أحد كما ذكر الذهبي في تاريخ الاسلام : 2 / 359 وغيره.والفرس إذا كان خفيف الجري فهو سكب وفيض كانسكاب لماء.
(3) يقال ذلك للفرس الحسن مد اليدين في الجري.
(4) كان ابيض ، وسمي بذلك لحسن صهيله.
(5) الورد : بين الكميت والاشقر.
(6) في "د" : الدراري.سبق قلم من الناسخ.
(7) أخرجه البخاري (2636) في الهبة من حديث زيد بن أسلم قال : سمعت أبي يقول : قال عمر رضي الله عنه : حملت على فرس في سبيل الله ، فرأيته يباع ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : لا تشتره ولا تعد في صدقتك"ورواه أيضا (1490) في الزكاة و(2623) في الهبة بلفظ"فأضاعه الذي كان عنده ، فأردت أن أشتريه منه ، وظننت أنه بائعه برخص ، فسألت عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم واحد ، فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه".وأخرجه أيضا (1489) من طريق سالم أن عبد الله بن عمر =

(1/209)


وروي (1) عن سهل بن سعد الساعدي ، قال : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندي ثلاثة أفراس ، لزاز ، والضرب ، واللحيف (2).فأما لزاز فأهداه له المقوقس ، وأما الظرب فأهداه له فروة (3) بن عمرو الجذامي ، وأما اللحيف فأهداه له ربيعة بن أبي البراء ، فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلاب.
وكانت له بغلة يقال لها : الدلدل يركبها في الاسفار ، وعاشت بعده حتى كبرت ، وذهبت أسنانها وكان يحبش لها الشعير ، وماتت بينبع.
وكان له حمار يقال له : عفير ، مات في حجة الوداع.
وكان له عشرون لقحة (4) بالغابة يراح إليه كل ليلة بقربتين عظيمتين من لبن. وكان فيها لقاح غزر : الحناء ، والسمراء ، والعريس ، والسعدية ، والبغوم ، واليسيرة ، والربى.وكانت له لقحة يقال لها : بردة ، أهداها له الضحاك بن سفيان الكلابي كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان.
__________
= كان يحدث أن عمر بن الخطاب تصدق بفرس في سبيل الله ، فوجده يباع ، فأراد أن يشتريه ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فاستأمره ، فقال : لاتعد في صدقتك" (ش).
(1) الذي رواه هو حفيده عبدالمهيمن بن عباس بن سهل (ونقله عنه الواقدي) ، قال الذهبي : وهو ضعيف.(تاريخ الاسلام : 2 / 359) ، وتناوله في الميزان فضعفه بما نقل عن الأئمة في حقه : البخاري والنسائي والدارقطني (الميزان : 2 / 671).
(2) في حاشية نسخة"د" : في صحيح البخاري عن أبي بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم في حائطنا فرس يقال له : اللحيف.قال أبو عبد الله : وقال بعضهم اللخفيف بالخاء والله أعلم"وهذه الحاشية للمزي نفسه. قال بشار : وأبي هذا هو أخو عبدالمهيمن الذي ذكر في الهامش السابق وهو ضعيف مثل أخيه وسيأتي في هذا الكتاب وتناوله الذهبي في الميزان وذكر أن ابن معين ضعفه ونقل عن الإمام أحمد أنه منكر الحديث ثم قال : أبي ، وإن لم يكن بالثبت فهو حسن الحديث ، وأخوه عبدالمهيمن واه" (الميزان : 1 / 78).
ولم يرو له البخاري غير هذا الحديث في موضع واحد ، في ذكر خيل النبي صلى الله عليه وسلم.
(3) كان فروة عاملا للروم على فلسطين وما يليها من العرب ، موضعه بعمان ، وقد كتب بإسلامه إلى النبي صلى الله عليه وسلم (الاستيعاب : 3 / 1259).
(4) والجمع لقاح ، وهي النوق ذوات الالبان.

(1/210)


وكانت له مهرة أرسل بها إليه سعد بن عبادة من نعم بني عقيل.
وكانت له الشقراء.
وكانت له العضباء ، وهي القصواء والجدعاء.ابتاعها أبو بكر الصديق من نعم بني الحريش.وأخرى معها بثمان مئة درهم وهي التي هاجر عليها ، وكانت حين قدم المدينة رباعية وهي التي سبقت فشق ذلك على المسلمين (1).
وكانت له منائح سبع من الغنم : عجرة ، وزمزم ، وسقياء ، وبركة ، وورسة ، وأطلال ، وأطراف.وكان له مئة من الغنم.
وكانت له ثلاثة أرماح أصابها من سلاح بني قينقاع.
وكانت له ثلاث قسي : قوس تسمى الروحاء ، وقوس صفراء تدعى الصفراء ، وقوس من شوحط.
وكان له ترس فيه تمثال رأس كبش فكره مكانه فأصبح وقد أذهبه الله.
وكان سيفه ذو الفقار (2) تنفله يوم بدر ، وهو الذي أري فيه الرؤيا
يوم أحد (3) ، وكان لمنبه بن الحجاج السهمي.
وأصاب من سلاح بني قينقاع ثلاثة اسياف : سيف قلعي (4) ،
__________
(1) أخرجه البخاري 12 / 292 في الرقاق : باب التواضع ، وفي الجهاد : باب ناقة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو داود (4802) ، وأحمد 3 / 103 و253 ، والنسائي 6 / 227 من حديث أنس بن مالك ، قال : كان للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة تسمى العضباء لا تسبق ، فجاء أعرابي على قعود فسبقها ، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه ، فقال : حق على الله ان لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" (ش).
(2) يقيد بالفتح كما هو مقيد هنا باعتبار أنه جمع لفقارة ، وقيد بالكسر جمع فقرة.
(3) أخرجه أحدم 1 / 271 ، والترمذي (1561) في السير : باب النفل ، وابن ماجه (2808) ، وابن سعد 1 / 486 من حديث ابن عباس ، وسنده حسن (ش).
(4) منسوب إلى مرج القلعة موضع بالبادية.

(1/211)


وسيف يدعى بتارا ، وسيف يدعى الحنيف (1).
وكان له : المخذم (2) ، ورسوب أصابهما من الفلس (3) وهو صنم لطئ.
وفي حديث أنس بن مالك ، قال : كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة وقبيعته (4) فضة (5) وما بين ذلك حلق فضة.وأصاب من سلاح بني قينقاع درعين : إحداهما يقال لها : الصغدية (6) ، والاخرى يقال لها : فضة.
وفي حديث محمد بن مسلمة الأنصاري ، قال : رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعين : درعه ذات الفضول ، ودرعه فضة.
ورأيت عليه يوم حنين درعه ذات الفضول الصغدية (7).
__________
(1) من الحنف ، وهو الاعوجاج.
(2) المخدم : السريع القطع كما في النهاية لابن الاثير : 2 / 16.
(3) الفلس : بضم الفاء وسكون اللام ، قيده ابن الاثير في النهاية : 3 / 470.
(4) القبيعة : هي التي تكون على رأس قائم السيف ، وقيل : هي ما تحت شاربي السيف ، كما في النهاية لابن الاثير : 4 / 7.
(5) أخرجه النسائي 8 / 219 في الزينة : باب حلية السيف ، ورجاله ثقات : وأخرجه الترمذي في "الشمائل"1 / 192 ، وفي"الجامع" (1691) ، وأبو داود (2583) ، والنسائي 8 / 219 ، وسنده قوي ، بلفظ : كانت قبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة.(ش).
(6) ويقال فيها أيضا"السغدية"بالسين المهملة ، وهي نسبة إلى السغد ، أو الصغد حيث تكتب بالسين والصاد.
(7) أخرجه ابن سعد في "الطبقات"1 / 487 من طريق الواقدي..وفي الباب عن السائب بن يزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عليه يوم أحد درعان قد ظاهر بينهما. أخرجه الترمذي في الشمائل (104) ، وأبو داود (2590) ، وأحمد 3 / 449 ، وابن ماجه (2806) ، ورجاله ثقات.وله شاهد عند الترمذي في "الشمائل" (103) ، والحاكم 3 / 25 بسند حسن من حديث الزبير بن العوام.(ش).

(1/212)


فصل
في صفته وأخلاقه صلى الله عليه وسلم
أخبرنا المشايخ الأربعة : الإمام العلامة شيخ الاسلام أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة ، وبقية السلف أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسيان والرئيس الكبير أبو الغنائم المسلم بن محمد بن المسلم ابن علان القيسي وأبو العباس أحمد بن شيبان بن تغلب الشيباني ، قالوا : أخبرنا أبو علي حنبل بن عبد الله بن الفرج البغدادي ، قدم علينا دمشق ، أخبرنا الرئيس أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني ، أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن محمد ابن المذهب التميمي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل ، حدثني أبي ، حدثنا وكعى ، أخبرنا المسعودي ، عن عثمان بن عبد الله بن هرمز ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن علي رضي الله عنه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بالقصير ولا بالطويل ، ضخم الرأس واللحية ، شثن الكفين والقدمين ، مشربا وجهه حمرة ، طويل المسربة ، ضخم الكراديس ، إذا مشى تكفأ تكفيا كأنما ينحط من صبب ، لم أر قبله ، يعني : ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم (1).
__________
(1) أخرجه أمد 1 / 96 ، والترمذي (3637) في المناقب : باب ما جاء في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وقال : حسن صحيح مع أن المسعودي اختلط ، وعثمان بن عبد الله لين الحديث وأخرج مالك 2 / 919 في أول كتاب صفة النبي صلى الله عليه وسلم ، والبخاري 6 / 415 في المناقب ، ومسلم (2347) في الفضائل من حديث أنس بن مالك قال : كان رسول الله =

(1/213)


وهكذا رواه النسائي في مسند علي من رواية المسعودي.
وقيل : عن السمعودي عن عثمان بن مسلم بن هرمز ، وكذلك رواه الترمذي.
وروي عن مسعر عن عثمان بالوجهين جميعا.
وأخبرنا الشيخ الجليل الرئيس أبو العباس أحمد بن محمد بن عبدالقاهر بن هبة الله بن النصيبي الحلبي بحلب ، أخبرنا أبو سعد ثابت بن مشرف بن أبي سعد البغدادي بحلب ، أخبرنا أبو الوقت عبد الاول بن عيسى بن شعيب السجزي ببغداد ، أخبرنا الشيخ أبو عطاء عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن الهروي الجوهري ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن جعفر بن محمود بن حسان الماليني بها إملاء ، أخبرنا أبو علي أحمد بن محمد بن علي بن رزين الباشاني ، حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن أبو جعفر العجلي أملاه علينا من كتابه ، حدثنا رجل من بني تميم بن ولد أبي هالة زوج خديجة يكنى أبا عبد الله عن ابن لابي هالة عن الحسن بن علي رضي الله عنهما ، قال : سألت خالي هند بن أبي هالة ، وكان وصافا عن حلية (1) النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به ، فقال :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما ، يتلالا وجهه تلالؤ القمر ليلة البدر ، أطول من المربوع ، وأقصر من المشذب ، عظيم الهامة ، رجل الشعر ، إذا انفرقت عقيصته (2) ، فرق وإلا يجاوز شعره شحمة أذنيه
__________
= صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ، ولا بالقصير ، وليس بالابيض الامهق ، ولا بالآدم ، ولا بالجعد القطط ، ولا بالسبط ، بعثه الله على رأس أربعين سنة ، فأقام بمكة عشر سنين ، وبالمدينة عشر سنين ، وتوفاه الله على رأس ستين سنة ، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء"وفي البخاري 10 / 302 عن أنس : كان النبي صلى الله عليه وسلم ضخم اليدين والقدمين ، لم أر قبله ولا بعده مثله ، وكان بسط الكفين.
وما ورد في هذا الحديث من الغريب وفي الاحاديث الآتية سيشرحه المؤلف في نهاية الفصل.(ش).
(1) حلية الرجل : صفته.
(2) العقيصة : الضفيرة.

(1/214)


إذا هو وفره ، أزهر اللون ، واسع الجبين ، أزج الحواجب سوابغ في غير قرن ، بينهما عرق يدره الغضب ، أقنى العرنين ، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم ، كث اللحية ، سهل الخدين ، ضليع الفم ، أشنب ، مفلج الاسنان ، دقيق المسربة (1) ، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة.
معتدل الخلق ، بادن متماسك ، سواء البطن والصدر ، عريض الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ، ضخم الكراديس ، أنور المتجرد ، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط ، عاري الثديين والبطن ، وما سوى ذلك ، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر ، طويل الزندين ، رحب (2) الراحة ، شثن (3) الكفين والقدمين ، سائل أو سائر الاطراف ، خمصان الاخمصين ، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء ، إذا زال قلعا ، يخطو تكفيا ، ويمشي هونا ، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب ، وإذا التفت التفت جميعا ، خافض الطرف ، نظره إلى الارض أكثر من نظره إلى السماء ، جل نظره الملاحظة ، يسوق أصحابه ، ويبدر من لقي بالسلام.
قال : قلت : صف لي منطقه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الاحزان ، دائم الفكرة ، ليست له راحة ، طويل السكت ، لا يتكلم في غير حاجة ، يفتتح الكلام بأشداقه ويختمه بأشداقه ، ويتكلم بجوامع الكلم فصل لا فضول ولا تقصير ، دمث ليس بالجافي ولا المهين ، يعظم النعمة وإن دقت ، لا يذم شيئا غير أنه لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه ، لا تغضبه الدنيا وما كان لها ، فإذا ، تعدي الحق ، لم يعرفه
__________
(1) المسربة بضم الراء : ما دق من شعر الصدر سائلا إلى الجوف ، كما في النهاية لابن الاثير ، وانظر ما يأتي من الشرح بعد قليل.
(2) الرحب : الواسع.
(3) قال ابن الاثير في النهاية : شئن : في صفته صلى الله عليه وسلم"شثن الكفين والقدمين"أي أنهما يميلان إلى الغلظ والقصر.
وقيل : هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر ، ويحمد ذلك في الرجال ، لانه أشد لقبضهم ، ويذم في النساء" : 2 / 444.

(1/215)


أحد ، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له ، ولا يغضب لنفسه ، ولا ينتصر لها ، إذا أشار أشار بكفه كلها ، وإذا تعجب ، قلبها ، وإذا تحدث ، اتصل بها ، يضرب براحته اليمنى باطن راحته اليسرى ، وإذا غضب ، أعرض وأشاح ، وإذا فرح ، غض طرفه ، جل ضحكه التبسم ، ويفتر عن مثل حب الغمام.
قال الحسن : فكتمتها الحسين زمانا ، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه فسأله عما سألت عنه ، ووجدته قد سأل اباه عن مدخله ومخرجه وشكله فلم يدع منه شيئا.
قال الحسين : فسألت أبي عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك.
وكان إذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء : جزء الله ، وجزء لاهله ، وجزء لنفسه ، ثم جزء جزءه بينه وبين الناس ورد ذلك بالخاصة على العامة ولا يدخر عنهم شيئا. فكان من سيرته في جزء الامة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين ، فمنهم ذو الحاجة ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج ، فيتشاغل بهم ، ويشغلهم فيما أصلحهم والامة من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم ، يقول : ليبلغ الشاهد الغائب وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها ، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة. ولا يذكر عنده إلا ذلك ، ولا يقبل من أحد غيره ، يدخلون روادا (1) ولا يفترقون إلا عن ذواق (2) ، ويخرجون أدلة ، يعني على الخير.
__________
(1) قال ابن الاثير في "رود"من النهاية : في حديث علي رضي الله عنه ، في صفة الصحابة رضي الله عنهم"يدخلون روادا ويخرجون أدلة"أي يدخلون عليه طالبين العلم وملتمسين الحكم من عنده ، ويخرجون أدلة هداة للناس. والرواد : جمع رائد..وأصل الرائد الذي يتقدم القوم يبصر لهم الكلا ومساقط الغيث : 2 / 275.
(2) قال ابن الاثير في "ذوق"من النهاية في شرح ذلك : ضرب الذواق مثلا لما ينالون عنده من الخير" : 2 / 172.

(1/216)


قال : وسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا مما يعنيه ويؤلفهم ولا ينفرهم ، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ، ويحذر الناس ، ويحترس منهم من أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه ، ويتفقد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ، ويحسن الحسن ويقويه ، ويقبح القبيح ويوهيه ، معتدل الامر غير مختلف ، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا ، لكل حال عنده عتاد ، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه ، الذين يلونه من الناس خيارهم ، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة ، وأعظمهم عنده أحسنهم مواساة.
قال : فسألته عن مجلسه : كيف كان يصنع فيه ، فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر ، ولا يوطن الاماكن ، وينهى عن إيطانها ، وإذا انتهى إلى قوم ، جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك ، يعطي كل جلسائه نصيبه ولا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف. ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها ، أو بميسور من القول. قد وسع الناس منه بسطه وخلقه ، فصار لهم أبا ، وصاروا عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة ، لا ترفع فيه الاصوات ، ولا تؤبن فيه الحرم (1) ، ولا تنثى فلتاته ، متعادلين ، يتفاضلون فيه بالتقوى ، متواضعين يوقرون فيه الكبير ، ويرحمون فيه الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ، ويحفظون الغريب (2).
روى الترمذي أكثره في كتاب الشمائل عن سفيان بن وكيع بن الجراح به مقطعا ، فوقع لنا موافقة له عالية ولله الحمد.
وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن محمد بن سليمان
__________
(1) وانظر أيضا النهاية لابن الاثير : 1 / 17.
(2) إسناده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع ، وكذا شيخه جميع بن عمر ، وجهالة الرجل من بني تميم ، وكذا الراوي عنه ، وهو في "شمائل الترمذي" (329) و(344) وأخلاق النبي ص (22 ، 26). (ش).

(1/217)


العامري ، أخبرنا القاضي أبو القاسم عبد الصمد بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري ، أخبرنا الحافظ أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد المرادي ، أخبرنا فقيه الحرم أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الفراوي. قال القاضي أبو القاسم (1) : وأنبأنا أبو عبد الله الفراوي هذا وأبو محمد عبد الجبار بن محمد بن أحمد الخواري إذنا ، قالا : أخبرنا الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ لفظا وقراءة عليه ، حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب العقيقي صاحب كتاب"النسب"ببغداد ، حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أبو محمد ،
بالمدينة ، سنة ثلاث وستين ومئتين ، حدثني علي بن جعفر بن محمد عن أخيه موسى بن جعفر ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن علي بن الحسين ، قال : قال الحسن بن علي : سألت خالي هند بن أبي هالة عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان وصافا وأرجو أن يصف لي منه شيئا أتعلق به. (ح) : قال الحافظ أبو بكر : وأخبرنا أبو الحسين ابن الفضل القطان ببغداد ، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي ، حدثنا يعقوب بن سفيان الفسوي ، حدثنا سعيد بن حماد الأنصاري المصري (2) وأبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي ، قالا : حدثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي ، حدثني رجل بمكة ، عن ابن لابي هالة التميمي ، عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : سألت خالي هند بن أبي هالة التميمي ، وكان وصافا ، عن حلية النبي
__________
(1) في حاشية"د" : يقع بعلو في مشيخة ابن شاذان الصغرى.
(2) في "م" : البصري"وهو وهم فانظر تاريخ يعقوب الفسوي : 3 / 284. وسيأتي في ترجمة شيخه جميع بن عمر العجلي قول المؤلف المزي : روى عنه أبو محمد سعيد بن حماد بن سعيد ابن معروف بن عبد الله الأنصاري المصري" : 2 / الورقة : 138.

(1/218)


صلى الله عليه وسلم وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به فذكر الحديث بطوله نحوه ، وزاد :
قال : قلت : كيف كانت سيرته في جلسائه ؟. وفي رواية العلوي (1) : فسألته عن سيرته في جلسائه فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا سخاب ، ولا فحاش ولا عياب ولا مداح ، يتغافل عما لا يشتهي ، ولا يؤيس منه [ راجيه ] (2) ولا يجيب فيه. قد ترك نفسه من ثلاث : المراء ، والاكثار ، وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث : كان لا يذم أحدا ، ولا يعيره ، ولا يطلب عورته. ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه ، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت ، تكلموا ، ولا يتنازعون عنده زاد العلوي الحديث : من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ حديثهم عنده حديث أوليتهم وفي رواية العلوي : أولهم يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم وفي رواية العلوي : في المنطق ويقول : إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه ، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام وفي رواية العلوي : بانتهاء أو قيام
قال : فسألته : كيف كان سكوته ؟ قال : كان سكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أربع : الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكر وفي رواية
__________
(1) أخذ ابن كثير برواية العلوي في البداية والنهاية : 6 / 33 31.
(2) ما بين الحاصرتين إضافة من شمائل الترمذي. ومعنى"يتغافل عما لا يشتهي"أي : يتكلف الغفلة والاعراض عما لا يستحسنه من القول والفعل. وقوله"لايؤيس منه راجيه"أي : لا يجعله آيسا منه.

(1/219)


العلوي : والتفكير فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس ، وأما تذكره أو قال : تفكره ، قال سعيد : تفكره ، ولم يشك ، وفي رواية العلوي : تفكيره ففيما يبقى ويفنى. وجمع له صلى الله عليه وسلم : الحلم ، والصبر ، وكان يغضبه شيء ، ولا يستفزه ، وجمع له الحذر في أربع : أخذه بالحسنى قال سعيد والعلوي : بالحسن ليقتدى به ، وتركه القبيح لينتهى عنه وفي رواية العلوي : ليتناهى عنه واجتهاد الرأي فيما أصلح أمته والقيام فيما جمع لهم الدنيا والآخرة وفي رواية العلوي : والقيام لهم فيما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة صلى الله عليه وسلم.
وأخبرنا المشايخ الأربعة : أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد ابن البخاري المقدسي وأبو العباس أحمد بن شيبان بن تغلب الشيباني وأبو يحيى إسماعيل بن أبي عبد الله بن حماد ابن العسقلاني وأم أحمد زينب بنت مكي بن علي بن كامل الحراني ، قالوا : أخبرنا ابو حفص عمر بن محمد بن معمر بن طبرزذ البغدادي ، أخبرنا الرئيس أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني ، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزاز ، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي ، حدثني يسر (1) بن أنس أبو الخير ، وأحمد بن يوسف بن تميم البصري ، قالا : حدثنا أبو هشام محمد بن سليمان زاد أبو الخير : ابن الحكم بن أيوب بن سليمان بن زيد بن ثابت بن سيار الكعبي الربعي الخزاعي. وزاد أحمد : بقديد (2) ، ثم اتفقا قال : حدثنى عمي أيوب بن الحكم. عن
__________
(1) قيده الذهبي في "المشتبه" ، قال في "بسر"من المشتبه : وبياء...ويسر بن أنس في حدود الثلاث مئة" (ص : 79). وقال العلامة ابن ناصر الدين بعد أن قيده بالحروف ونقل قو الإمام الذهبي : قلت : هو بغدادي كنيته أبو الخير ، حدث عنه أبو بكر الشافعي وسمع منه محمد بن زيد بن مروان إملاءا في سنة ثلاث وثلاث مئة" (توضيح المشتبه : 1 / الورقة : 61 من نسخة الظاهرية).
(2) قديد : اسم موضع قرب مكة كما في معجم ياقوت ومراصد البغدادي.

(1/220)


حزام بن هشام ، عن أبيه هشام ، عن جده حبيش بن خالد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة خرج منها مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر ومولى لابي بكر عامر بن فهيرة ودليلهما الليثي عبد الله بن الاريقط مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية ، وكانت برزة (1) جلدة تحتبي بفناء القبة ، ثم تسقي وتطعم ، فسألوها تمرا ولحما يشترونه منها ، فلم يصيبوا عندها من ذلك شيئا ، وكان القوم مرملين مسنتين ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة ، فقال : ما هذه الشاة يا أم معبد ؟ قالت : شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال : هل بها من لبن ؟ قالت : هي أجهد من ذلك. قال : أتأذن